م.م احمد محمد جواد
قسم إدارة الاعمال – جامعة المستقبل
أصبحت لغة سوق العمل اليوم مختلفة عمّا كانت عليه قبل سنوات؛ فإعلانات الوظائف والاجتماعات وبرامج التدريب والتطوير لم تعد تكتفي بمصطلحات مثل الخبرة والكفاءة والتخصص، بل دخلت إليها تعبيرات من قبيل: المهارات الناعمة (Soft Skills)، والرشاقة (Agility)، والعصف الذهني (Brainstorming)، والتآزر (Synergy)، فضلًا عن عبارات مثل «صناعة الأثر»، و«روح الفريق»، و«المرونة»، و«بيئة العمل الديناميكية».
ولا تمثل هذه الظاهرة مجرد دخول مفردات أجنبية إلى العربية، وإنما تكشف عن تحول في لغة العمل نفسها؛ فالمصطلحات الجديدة لا تصف الموظف والمؤسسة فحسب، بل تسهم في تشكيل تصورنا عن الموظف الناجح والعمل الفعّال والمؤسسة الحديثة.
من المجاز البلاغي إلى المجاز الوظيفي عرفت البلاغة العربية المجاز بوصفه وسيلة لتوسيع الدلالة وصناعة الصورة والتأثير في المتلقي، إلا أن بيئة العمل الحديثة أوجدت نوعًا آخر يمكن تسميته «المجاز الوظيفي».
فعندما نصف مؤسسة بأنها تتمتع بـ«الرشاقة»، تنتقل صفة جسدية قائمة على الخفة وسرعة الحركة إلى المجال الإداري، لتصبح دالة على سرعة الاستجابة للمتغيرات والقدرة على التكيف، وهذا الاستعمال ليس بعيدًا عن التعريفات المؤسسية المعاصرة التي تربط الرشاقة بسرعة استجابة المنظمة للتغيرات والضغوط.
ويظهر الأمر بصورة أوضح في مصطلح «العصف الذهني»؛ إذ تحولت «العاصفة» من ظاهرة محسوسة إلى صورة ذهنية تعبّر عن تدفق الأفكار وتوليدها، وهنا نكون أمام انزياح دلالي انتقلت فيه الكلمة من مجالها الأصلي إلى بيئة مهنية جديدة.
غير أن هذا المجاز يختلف في وظيفته عن المجاز الأدبي؛ فهو لا يسعى إلى جمال الصورة وحده، وإنما يشارك في صياغة السلوك المهني المطلوب. حين تصنع الكلمة صورة الموظف إذا تأملنا إعلانات التوظيف المعاصرة وجدنا أوصافًا متكررة مثل: «مرن»، و«مبادر»، و«ديناميكي»، و«قادر على العمل ضمن فريق»، وهي كلمات قليلة، لكنها تحمل توقعات كثيرة. فـ«المرونة» لا تعني صفة واحدة، بل قد تشمل القدرة على التعلم والتكيف مع التغيير وقبول المهمات الجديدة، و«المبادرة» ترسم صورة الموظف الذي لا ينتظر التعليمات دائمًا، وإنما يبحث عن الحلول ويقترحها.
ومن منظور تحليل الخطاب، تمتلك هذه الكلمات سلطة رمزية؛ لأنها لا تصف السلوك المهني فقط، بل تحدد الصفات التي تمنحها المؤسسة قيمة إيجابية، وهكذا تسهم اللغة بصورة غير مباشرة في بناء نموذج ذهني لما ينبغي أن يكون عليه «الموظف الناجح».
بين حداثة المصطلح ووضوح المعنى تكمن المشكلة حين تتحول بعض المصطلحات إلى عبارات متداولة بكثرة من دون تحديد دقيق لمعناها، فقد تبدو عبارة «بيئة عمل سريعة الإيقاع» جذابة، لكنها قد تعني مؤسسة نشطة ومتطورة، وقد تشير في سياق آخر إلى كثافة المهمات وضغط الوقت.
لذلك لا ينبغي أن يكون معيارنا هو حداثة المصطلح أو أجنبيته، بل وضوحه وقدرته على أداء المعنى، وقد أظهرت دراسات تناولت ترجمة مصطلحات الأعمال إلى العربية أن هذا النوع من المصطلحات قد يثير مشكلات في الفهم والترجمة إذا لم يُراعَ سياقه المهني والدلالي.
ولا يعني ذلك رفض المصطلحات الحديثة؛ فاللغة العربية لغة حية قادرة على استيعاب المفاهيم الجديدة وتطويعها، كما أن وجود معاجم عربية متخصصة لمصطلحات الإدارة والأعمال وريادة الأعمال يؤكد أهمية بناء مقابلات اصطلاحية واضحة للمفاهيم الحديثة.
بلاغة جديدة تستحق الدراسة إن التحولات التي تشهدها لغة سوق العمل تفتح أمام الدراسات اللغوية والبلاغية مجالًا يمكن أن نطلق عليه «بلاغة العمل» أو «البلاغة المؤسسية»؛ وهو مجال يدرس كيفية استخدام المؤسسات للغة في بناء مفاهيم الكفاءة والقيادة والعمل الجماعي والنجاح.
فالبلاغة المعاصرة لم تعد حاضرة في القصيدة والخطبة والنص الأدبي وحدها؛ بل نجدها أيضًا في إعلان الوظيفة، والاجتماع الإداري، ورسالة البريد الإلكتروني، وتقييم الأداء، والخطاب التسويقي.
ومن هنا تصبح العلاقة بين اللغة العربية وإدارة الأعمال أكثر عمقًا من مجرد اختيار المصطلحات؛ فاللغة أداة لبناء المفاهيم وتوجيه التواصل وصناعة الثقافة المؤسسية.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس: لماذا دخلت هذه المصطلحات إلى لغتنا؟ بل: كيف نستخدمها بوعي بحيث نستفيد من المفاهيم الحديثة، ونحافظ في الوقت نفسه على الوضوح والدقة والقدرة التعبيرية للغة العربية؟
فاللغة في بيئة العمل لا تصف المؤسسة فقط؛ بل تشارك في بناء صورتها وثقافتها وطريقة تفكير أفرادها.