ا.د حيدر علي الدليمي
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية لحركة الطاقة والتجارة العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب في حركة الملاحة عبره يمكن أن يترك آثاراً تتجاوز حدود المنطقة، لتصل إلى أسعار النفط والغاز وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية.
ولا تقف تداعيات هذه الأزمة عند حدود ارتفاع أسعار الطاقة، بل يمكن أن تمتد إلى أنماط الإنتاج والاستهلاك في مختلف الاقتصادات، ولا سيما الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على النفط أو تستورد جزءاً مهماً من احتياجاتها من الخارج.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، الذي يدعو إلى ضمان أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة، وترشيد استخدام الموارد، والحد من الهدر، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والمواد.
وبالنسبة إلى العراق، فإن أزمة مضيق هرمز تمثل فرصة لإعادة النظر في نموذج الاستهلاك والإنتاج، ومدى قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات الخارجية من خلال رفع الكفاءة وتقليل الهدر والاعتماد المفرط على الموارد الناضبة.
مضيق هرمز واختبار كفاءة الاقتصاد
يعتمد الاقتصاد العالمي بدرجة كبيرة على استقرار حركة الطاقة عبر الممرات البحرية الاستراتيجية، ويأتي مضيق هرمز في مقدمة هذه الممرات. وأي اضطراب فيه يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الطاقة والنقل والتجارة.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح الاقتصادات التي تتمتع بكفاءة أعلى في استخدام الطاقة والموارد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، بينما تكون الاقتصادات التي تعاني من الهدر والاستهلاك المرتفع أكثر عرضة لتداعيات ارتفاع الأسعار.
ومن هنا، فإن كفاءة استهلاك الطاقة لا تمثل قضية بيئية فقط، وإنما أصبحت قضية اقتصادية وأمنية، خصوصاً بالنسبة للدول التي ترتبط موازناتها وأسواقها بالطاقة العالمية.
العراق.. وفرة النفط وارتفاع الاستهلاك
يمتلك العراق احتياطيات نفطية كبيرة، وهو ما يجعله من الدول ذات الأهمية في سوق الطاقة العالمي. إلا أن وفرة النفط لا تعني بالضرورة كفاءة استخدام الطاقة.
فالاستهلاك المرتفع للطاقة، والهدر في بعض القطاعات، وضعف كفاءة شبكات النقل والتوزيع، واستخدام تقنيات إنتاجية قديمة، كلها عوامل يمكن أن تزيد من تكلفة النشاط الاقتصادي وتضعف قدرة الاقتصاد على مواجهة ارتفاع الأسعار العالمية.
وهنا تبرز أهمية الانتقال من مفهوم وفرة الطاقة إلى مفهوم كفاءة الطاقة.
فالدولة التي تمتلك موارد كبيرة لكنها تستهلكها بكفاءة منخفضة قد تكون أكثر عرضة للصدمات من دولة تمتلك موارد أقل ولكنها تستخدمها بصورة أكثر كفاءة.
ارتفاع كلفة الطاقة وتأثيره في الإنتاج
عندما ترتفع تكاليف الطاقة والنقل نتيجة اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، تواجه الشركات ارتفاعاً في تكلفة الإنتاج والتوزيع. وقد تضطر بعض المؤسسات إلى رفع أسعار منتجاتها، أو تقليل الإنتاج، أو تأجيل خطط التوسع والاستثمار.
ويصبح تأثير الصدمة أكبر عندما تكون العملية الإنتاجية ذات استهلاك مرتفع للطاقة أو تعتمد على مواد أولية مستوردة.
ولهذا فإن تحسين كفاءة الإنتاج يمثل إحدى أهم وسائل تقليل التأثر بالصدمات الخارجية.
فالمؤسسة التي تستطيع إنتاج الكمية نفسها باستخدام طاقة ومواد أقل ستكون أكثر قدرة على الاستمرار في ظل ارتفاع الأسعار مقارنة بمؤسسة تعاني من ارتفاع معدلات الهدر.
أنماط الاستهلاك في مواجهة الأزمة
لا يرتبط الهدف الثاني عشر بالإنتاج وحده، بل يركز أيضاً على أنماط الاستهلاك.
فارتفاع أسعار الطاقة العالمية يمكن أن يعيد تشكيل سلوك المستهلكين، ويدفع الأسر والمؤسسات إلى البحث عن طرق أكثر كفاءة لاستخدام الكهرباء والوقود والنقل.
وفي العراق، يمكن أن يشكل ذلك فرصة لتعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، ليس فقط من خلال الحملات التوعوية، وإنما عبر سياسات اقتصادية تشجع على استخدام الأجهزة والمعدات ذات الكفاءة العالية، وتطوير المباني الموفرة للطاقة، وتحسين وسائل النقل العام، وتشجيع الاستثمار في التقنيات الحديثة.
إن ترشيد الاستهلاك لا يعني بالضرورة تقليل مستوى الرفاه، وإنما يعني الحصول على المنفعة نفسها باستخدام موارد أقل.
الهدر الاقتصادي.. تكلفة غير مرئية
تظهر أهمية الهدف الثاني عشر بصورة أكبر عندما ننظر إلى الهدر بوصفه تكلفة اقتصادية حقيقية.
فإهدار الطاقة يعني موارد مالية إضافية، وإهدار المياه يعني خسارة مورداً نادراً، وإهدار الغذاء يعني خسارة في الإنتاج الزراعي والنقل والتخزين، بينما يؤدي ضعف إدارة النفايات إلى خسائر بيئية واقتصادية.
وفي ظل الأزمات الخارجية، تصبح تكلفة هذا الهدر أكثر وضوحاً.
فعندما تكون الطاقة رخيصة نسبياً، قد لا تبدو كفاءة استخدامها أولوية ملحة. أما عندما ترتفع أسعار الطاقة أو تتعرض سلاسل الإمداد للاضطراب، فإن كل وحدة طاقة مهدرة تتحول إلى تكلفة إضافية على الاقتصاد.
ومن هنا يمكن لأزمة مضيق هرمز أن تكون حافزاً لإعادة تقييم حجم الهدر في القطاعات الإنتاجية والخدمية العراقية.
الصناعة العراقية وكفاءة استخدام الموارد
يمثل القطاع الصناعي أحد المجالات المهمة لتطبيق الهدف الثاني عشر.
فرفع كفاءة المصانع، وتحديث خطوط الإنتاج، واستخدام التقنيات الأقل استهلاكاً للطاقة، وإعادة تدوير المواد، وتقليل المخلفات الصناعية، كلها إجراءات يمكن أن تخفض تكاليف الإنتاج وتعزز القدرة التنافسية.
كما أن تشجيع الصناعات التي تعتمد على الموارد المحلية يمكن أن يقلل من التعرض لتقلبات أسعار النقل والاستيراد.
وهنا تلتقي أهداف التنمية المستدامة مع السياسة الاقتصادية؛ فالإنتاج المستدام ليس مجرد التزام بيئي، بل يمكن أن يكون أداة لخفض التكلفة وزيادة الإنتاجية وتعزيز تنافسية الاقتصاد العراقي.
النفط ليس بديلاً عن الكفاءة
قد يبدو العراق أقل حاجة إلى القلق بشأن ارتفاع أسعار الطاقة بسبب امتلاكه موارد نفطية كبيرة، إلا أن هذه النظرة تتجاهل طبيعة الاقتصاد الحديث.
فالنفط مورد ناضب، والإيرادات النفطية معرضة للتقلب، بينما تستمر الحاجة إلى تمويل التنمية لعقود طويلة.
ولهذا فإن الإدارة الرشيدة للموارد النفطية تقتضي استخدام عوائدها لتمويل التحول نحو اقتصاد أكثر كفاءة في استهلاك الموارد، وليس ترسيخ أنماط الاستهلاك المرتفعة والهدر.
وبمعنى آخر، فإن الثروة النفطية يمكن أن تكون وسيلة لتمويل الاستدامة، لا سبباً لتأجيلها.
من أزمة مضيق هرمز إلى فرصة للتحول
يمكن للعراق أن يحول تداعيات أزمة مضيق هرمز إلى فرصة لإعادة بناء سياساته المتعلقة بالطاقة والإنتاج والاستهلاك.
ويشمل ذلك رفع كفاءة شبكات الكهرباء، وتقليل الفاقد، وتحسين كفاءة وسائل النقل، وتحديث القطاع الصناعي، وتطوير تقنيات الزراعة الحديثة، وتشجيع إعادة التدوير، وتقليل هدر الغذاء، وتعزيز استخدام التقنيات التي توفر الطاقة والمياه.
كما يمكن للقطاع الخاص أن يؤدي دوراً مهماً في هذا التحول من خلال الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة والمباني الخضراء وإدارة النفايات والطاقة المتجددة.
الاستدامة كأداة للأمن الاقتصادي
تكشف أزمة مضيق هرمز أن الاستدامة لم تعد قضية بعيدة المدى منفصلة عن الاقتصاد اليومي، بل أصبحت جزءاً من مفهوم الأمن الاقتصادي.
فالدولة التي تقلل اعتمادها على الطاقة المستوردة، وتخفض هدرها، وتستخدم مواردها بكفاءة، وتنتج جزءاً أكبر من احتياجاتها محلياً، ستكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات العالمية.
وبالنسبة إلى العراق، فإن تحقيق الهدف الثاني عشر يمكن أن يعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات النفطية والجيوسياسية، ويقلل من تكلفة الإنتاج والاستهلاك، ويدعم الانتقال نحو اقتصاد أكثر كفاءة وقدرة على الاستمرار.
تضع أزمة مضيق هرمز الاقتصاد العراقي أمام حقيقة مهمة: الوفرة في الموارد لا تعني بالضرورة الاستدامة، والاستدامة تبدأ من كفاءة استخدام الموارد المتاحة.
ففي ظل ارتفاع محتمل في تكاليف الطاقة والنقل والتجارة، تصبح مواجهة الهدر وتحسين كفاءة الإنتاج والاستهلاك ضرورة اقتصادية وليست خياراً بيئياً فقط.
ومن هنا، فإن تحقيق الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة يتطلب من العراق إعادة النظر في أنماط الإنتاج والاستهلاك، والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، وتقليل هدر الطاقة والمياه والغذاء والمواد، وتشجيع الاقتصاد الدائري، وتحويل الموارد النفطية إلى استثمارات تدعم التحول نحو اقتصاد أكثر كفاءة واستدامة.
إن أزمة مضيق هرمز، بما تحمله من مخاطر على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، يمكن أن تكون فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الاقتصاد العراقي وموارده؛ بحيث لا يكون السؤال فقط: كم نملك من الطاقة والموارد؟ وإنما أيضاً: كيف نستخدمها بأعلى كفاءة وأقل هدر؟
وهنا يكمن جوهر الهدف الثاني عشر: بناء اقتصاد يستطيع تحقيق النمو وتحسين مستوى المعيشة، دون أن يستنزف موارده أو يجعل مستقبله رهينة للصدمات