ا. د حيدر علي الدليمي
يمثل الاستقرار المالي أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام وتوفير فرص العمل اللائق، ولا سيما في الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي في تحريك النشاط الاقتصادي وتمويل المشاريع والخدمات العامة. وفي الحالة العراقية، تكتسب الموازنة الاتحادية أهمية استثنائية، نظراً للدور الكبير الذي يؤديه الإنفاق العام في تمويل النشاط الاقتصادي، ودعم القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتنفيذ المشاريع الاستثمارية، وتوفير فرص العمل.
ويُعد الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة أحد الأهداف المحورية في أجندة الأمم المتحدة 2030، إذ يركز على تعزيز النمو الاقتصادي المطرد والشامل والمستدام، وتوفير العمالة الكاملة والمنتجة، والعمل اللائق للجميع. ومن هذا المنطلق، فإن أي تأخير في إقرار الموازنة الاتحادية وتنفيذها يمكن أن يترك انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على قدرة الاقتصاد العراقي على تحقيق مستهدفات هذا الهدف.
تأخر الموازنة وتأثيره في النشاط الاقتصادي
تؤدي الموازنة العامة دوراً أساسياً في تحديد أولويات الدولة الاقتصادية والاجتماعية، وتوزيع الموارد المالية بين القطاعات المختلفة. وعندما يتأخر إقرار الموازنة، قد تتأخر عملية إطلاق التخصيصات المالية للمشاريع والبرامج الحكومية، الأمر الذي ينعكس على مستوى الإنفاق الاستثماري والاستهلاكي وعلى حركة الأسواق المحلية.
وفي اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الإنفاق الحكومي، فإن تأخر إطلاق المشاريع الاستثمارية يمكن أن يؤدي إلى انخفاض الطلب على السلع والخدمات التي توفرها الشركات المحلية، كما قد يؤخر تنفيذ مشاريع البنية التحتية والمشاريع الإنتاجية، ويحد من قدرة القطاع الخاص على التخطيط والتوسع. وبالتالي، فإن المشكلة لا تقتصر على التأخير الإداري في إقرار الموازنة، وإنما قد تمتد آثارها إلى النشاط الاقتصادي بصورة أوسع.
الموازنة والاستثمار وفرص العمل
يُعد الإنفاق الاستثماري الحكومي من الأدوات المهمة لتوليد فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. فالمشاريع المتعلقة بالبنية التحتية، والنقل، والطاقة، والإسكان، والمياه، والخدمات، تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمال والمهندسين والفنيين والإداريين، كما تخلق طلباً على منتجات وخدمات القطاع الخاص.
وعليه، فإن تأخر تنفيذ الموازنة قد يؤدي إلى تأجيل العديد من المشاريع، وبالتالي تأجيل فرص العمل المرتبطة بها. كما أن عدم وضوح التخصيصات المالية في الوقت المناسب قد يدفع بعض الشركات إلى تأجيل قرارات الاستثمار والتوظيف، وهو ما ينعكس بصورة أكبر على الشباب والداخلين الجدد إلى سوق العمل.
وتبرز أهمية هذه المسألة في العراق بصورة خاصة، نظراً إلى ارتفاع نسبة الشباب في التركيبة السكانية، وما يترتب على ذلك من ضرورة توفير فرص عمل منتجة ومستدامة تتناسب مع الزيادة المستمرة في أعداد الداخلين إلى سوق العمل.
أثر التأخر في القطاع الخاص
لا يمكن تحقيق الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة بالاعتماد على القطاع العام وحده؛ فالقطاع الخاص يمثل شريكاً أساسياً في خلق الوظائف وتنويع الاقتصاد وتعزيز الإنتاجية.
ويؤدي تأخر الموازنة إلى حالة من عدم اليقين بشأن حجم الإنفاق الحكومي والمشاريع التي ستُنفذ خلال السنة المالية، الأمر الذي قد يؤثر في قرارات المستثمرين وأصحاب الأعمال. كما أن الشركات التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على العقود الحكومية قد تواجه صعوبات في التخطيط المالي والتشغيلي عند تأخر إطلاق التخصيصات.
ومن هنا، فإن انتظام دورة الموازنة لا يمثل مسألة مالية فحسب، بل يعد عاملاً مهماً في تعزيز بيئة الأعمال والاستثمار، ورفع مستوى الثقة في الاقتصاد، وتشجيع القطاع الخاص على التوسع وتوفير فرص عمل جديدة.
العلاقة بين النمو الاقتصادي والعمل اللائق
لا يقتصر الهدف الثامن على زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وإنما يربط بين النمو الاقتصادي وبين العمل اللائق والإنتاجية وحماية حقوق العاملين. ولذلك فإن السياسات المالية ينبغي ألا تركز فقط على حجم الإنفاق، بل على نوعية الإنفاق ومدى مساهمته في خلق قيمة اقتصادية وفرص عمل مستدامة.
ومن هذا المنظور، فإن معالجة آثار تأخر الموازنة تتطلب توجيه الإنفاق العام نحو القطاعات الأكثر قدرة على تحقيق النمو وتنويع مصادر الدخل، مثل الصناعة والزراعة والسياحة والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والخدمات المالية، بدلاً من استمرار الاعتماد المفرط على الإنفاق الجاري والوظائف الحكومية.
كما أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمكن أن يمثل أداة فعالة في تحقيق الهدف الثامن، لما لهذا القطاع من قدرة على استيعاب العمالة وتوفير فرص عمل جديدة وتحفيز الابتكار والنشاط الاقتصادي المحلي.
النفط والموازنة وتحدي تنويع الاقتصاد.
يرتبط الاستقرار المالي في العراق بدرجة كبيرة بأداء القطاع النفطي، الأمر الذي يجعل الموازنة الاتحادية شديدة التأثر بتقلبات أسعار النفط والإيرادات النفطية. وبالتالي، فإن تأخر الموازنة قد يتزامن مع حالة من عدم اليقين بشأن الموارد المتاحة للإنفاق العام، ولا سيما عندما تتغير الظروف في أسواق النفط العالمية.
وهنا تبرز الحاجة إلى بناء سياسة مالية أكثر استدامة، تعتمد على تنويع الإيرادات العامة وتطوير القطاعات غير النفطية. فتنويع الاقتصاد لا يمثل خياراً اقتصادياً فحسب، بل يعد شرطاً مهماً لتحقيق نمو مستدام وقادر على توفير فرص عمل منتجة بعيداً عن التقلبات التي تفرضها أسواق النفط العالمية.
الموازنة كأداة لتحقيق التنمية المستدامة
إن الموازنة الاتحادية ينبغي أن ينظر إليها بوصفها أداة لتنفيذ السياسات العامة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وليس مجرد وثيقة لتقدير الإيرادات والنفقات. ومن ثم، فإن ربط التخصيصات المالية بمؤشرات أداء واضحة لأهداف التنمية المستدامة يمكن أن يساعد في قياس مدى مساهمة الإنفاق العام في تحقيق النتائج الاقتصادية والاجتماعية المستهدفة.
وفي إطار الهدف الثامن، يمكن اعتماد مؤشرات مثل معدل نمو الناتج المحلي، ومعدل البطالة، ونسبة مشاركة الشباب في سوق العمل، وعدد فرص العمل الجديدة، ونمو إنتاجية العامل، ونسبة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، بوصفها مؤشرات تساعد في تقييم فاعلية السياسات المالية.
نحو موازنة أكثر ارتباطاً بالأداء والنتائج
إن تجاوز مشكلة تأخر الموازنة لا ينبغي أن يقتصر على الإسراع في إجراءات إقرارها، بل يتطلب تطوير إدارة المالية العامة بصورة أكثر شمولاً. ومن أهم الإجراءات التي يمكن أن تسهم في ذلك: تحسين التخطيط المالي متوسط الأجل، ورفع كفاءة إعداد الموازنة، وتعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية، وربط التخصيصات بالبرامج والأهداف، وتفعيل الرقابة على تنفيذ المشاريع، وزيادة الشفافية في إدارة المال العام.
كما أن اعتماد موازنة قائمة على الأداء يمكن أن يساعد في الانتقال من التركيز على حجم الأموال التي تنفقها المؤسسات الحكومية إلى قياس النتائج التي تحققها هذه الأموال، وهو ما ينسجم بصورة مباشرة مع فلسفة التنمية المستدامة.
إن تأخر الموازنة الاتحادية في العراق يمثل أكثر من مجرد تأخير في الإجراءات المالية؛ فهو قد يؤثر في وتيرة النشاط الاقتصادي، وتنفيذ المشاريع الاستثمارية، وقرارات القطاع الخاص، وفرص العمل، وبالتالي في قدرة العراق على تحقيق مستهدفات الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة.
ويحتاج العراق إلى إدارة مالية أكثر استقراراً وكفاءة، تجعل الموازنة أداة حقيقية لتحفيز النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل وخلق فرص العمل اللائق، مع إعطاء القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة والمتوسطة دوراً أكبر في الاقتصاد.
ومن ثم، فإن نجاح العراق في تحقيق الهدف الثامن يتطلب الانتقال من إدارة الموازنة بوصفها عملية سنوية إلى التعامل معها باعتبارها أداة استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بحيث تكون الأولوية للإنفاق الذي يولد قيمة مضافة، ويعزز الإنتاجية، ويخلق فرص عمل مستدامة، ويسهم في بناء اقتصاد عراقي أكثر تنوعاً وقدرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية.