ا.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية
تُعدّ الموازنة العامة الأداة الرئيسة التي تعتمد عليها الحكومات في توجيه الموارد المالية نحو تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، فهي لا تقتصر على كونها وثيقة مالية تتضمن تقديرات الإيرادات والنفقات، بل تمثل خارطة طريق تعكس أولويات الدولة ورؤيتها المستقبلية. وفي العراق، تكتسب الموازنة العامة أهمية استثنائية لارتباطها الوثيق بالإيرادات النفطية التي تمثل المصدر الرئيس لتمويل الإنفاق الحكومي، الأمر الذي يجعل تحقيق التنمية المستدامة مرهونًا بمدى كفاءة إدارة الموارد المالية وتوجيهها نحو القطاعات المنتجة.
وتؤكد أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة أن التنمية الحقيقية لا تتحقق بالنمو الاقتصادي وحده، بل تتطلب إيجاد توازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، من خلال القضاء على الفقر، وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل، وتحسين جودة التعليم والصحة، وبناء مؤسسات قوية وفعالة، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية.
ومن هذا المنطلق، تمثل الموازنة العامة إحدى أهم الأدوات التي يمكن من خلالها ترجمة أهداف التنمية المستدامة إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ. فكلما اتجه الإنفاق العام نحو الاستثمار في البنية التحتية، والتعليم، والرعاية الصحية، ودعم القطاع الخاص، وتنويع الاقتصاد، ازدادت قدرة الدولة على تحقيق تنمية مستدامة تُسهم في تحسين مستوى معيشة المواطنين وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
ورغم ما تتضمنه الموازنات العراقية من تخصيصات مالية كبيرة، فإن تحقيق الأثر التنموي المنشود ما يزال يواجه تحديات عديدة، أبرزها الاعتماد المرتفع على الإيرادات النفطية، وارتفاع النفقات التشغيلية مقارنة بالنفقات الاستثمارية، فضلاً عن تأثر الإنفاق العام بتقلبات أسعار النفط العالمية. كما أن محدودية التنويع الاقتصادي تُضعف قدرة المالية العامة على الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية، الأمر الذي ينعكس على استدامة تمويل المشروعات التنموية.
إن نجاح السياسة المالية لا يُقاس بحجم الإنفاق فقط، وإنما بمدى كفاءة توجيه الموارد نحو تحقيق نتائج تنموية ملموسة. ولذلك أصبحت العديد من الدول تتجه إلى تبني موازنات قائمة على البرامج والأداء، تربط بين حجم الإنفاق والمؤشرات المستهدفة، بما يعزز الشفافية والمساءلة ويرفع كفاءة استخدام المال العام، وهو ما يتوافق مع متطلبات التنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، فإن تطوير الموازنة العامة في العراق يتطلب تعزيز التخطيط المالي متوسط وطويل الأجل، وزيادة الإنفاق الاستثماري المنتج، ودعم القطاعات غير النفطية، وتحسين كفاءة إدارة الموارد العامة، وتوسيع استخدام التقنيات الرقمية في إعداد وتنفيذ ومتابعة الموازنة، بما يضمن تحقيق أعلى عائد اقتصادي واجتماعي من كل دينار يُنفق.
إن الموازنة العامة ليست مجرد أرقام تُدرج في جداول مالية، وإنما هي أداة استراتيجية لصناعة المستقبل. وكلما ارتبطت السياسة المالية بأهداف التنمية المستدامة، أصبحت أكثر قدرة على تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة، وتقليل معدلات الفقر والبطالة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وبناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة. ومن هنا، فإن مستقبل التنمية في العراق يعتمد إلى حد كبير على قدرة صناع القرار في توجيه الموازنة العامة نحو الاستثمار في الإنسان والموارد الإنتاجية، بما يحقق التنمية المنشودة للأجيال الحالية والمستقبلية.