ا.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية
تمثل البطالة واحدة من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات المعاصرة، لما تتركه من آثار سلبية على مستويات الدخل والاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، برزت أهداف التنمية المستدامة بوصفها إطاراً عالمياً متكاملاً لمعالجة المشكلات التنموية وتحقيق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي للأجيال الحالية والمستقبلية.
ويعد الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، والمتمثل في “ضمان أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة”، من الأهداف التي ترتبط بصورة مباشرة وغير مباشرة بمعالجة البطالة وخلق فرص العمل. فتبني أساليب إنتاج أكثر كفاءة واستدامة يسهم في تطوير القطاعات الاقتصادية المختلفة، ويشجع على الابتكار والاستثمار في الصناعات الصديقة للبيئة، الأمر الذي يفتح آفاقاً جديدة أمام سوق العمل ويزيد من الطلب على الكفاءات والمهارات المتخصصة.
إن التحول نحو الاقتصاد المستدام لا يقتصر على حماية الموارد الطبيعية وتقليل الهدر فحسب، بل يمتد ليشمل إيجاد فرص عمل جديدة في مجالات إعادة التدوير، وإدارة النفايات، والطاقة النظيفة، والتكنولوجيا الخضراء، والزراعة المستدامة. وتُعرف هذه الوظائف بـ”الوظائف الخضراء” التي أصبحت تشكل أحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي في العديد من الدول.
كما أن تعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول يسهم في توجيه الطلب نحو المنتجات والخدمات المحلية ذات الجودة العالية، مما يدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة ويعزز قدرتها على التوسع والتشغيل. ويؤدي ذلك إلى زيادة معدلات التوظيف وتحسين مستويات المعيشة، فضلاً عن تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة.
ومن هنا تبرز أهمية المؤسسات الأكاديمية والجامعات في نشر الوعي بأهداف التنمية المستدامة، وتأهيل الطلبة بالمعارف والمهارات التي تمكنهم من الإسهام في بناء اقتصاد مستدام قادر على استيعاب الطاقات البشرية وتحويلها إلى قوة إنتاجية فاعلة. كما يقع على عاتقها تعزيز البحث العلمي والابتكار في المجالات المرتبطة بالإنتاج والاستهلاك المسؤولين، بما ينسجم مع متطلبات سوق العمل المستقبلية.
إن معالجة البطالة لم تعد تعتمد على السياسات التقليدية وحدها، بل أصبحت تتطلب تبني رؤى تنموية شاملة تستند إلى مبادئ الاستدامة. ويأتي الهدف الثاني عشر للتنمية المستدامة ليؤكد أن الإنتاج والاستهلاك المسؤولين ليسا مجرد خيار بيئي، بل يمثلان مدخلاً أساسياً لتحقيق التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل وتعزيز رفاهية المجتمعات على المدى الطويل .