اعداد الأستاذ الدكتور حيدر علي الدليمي
في الاقتصاد الحديث، لم تعد الثروة الحقيقية للدول تُقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية أو احتياطيات نفطية فحسب، بل بما تمتلكه من عقول وسواعد مدربة. بالنسبة للعراق، يمثل رأس المال البشري المحرك الأساسي لتحقيق الهدف الأول (القضاء على الفقر) والهدف الثامن (العمل اللائق ونمو الاقتصاد). إن الاستثمار في الإنسان هو الضمانة الوحيدة لتحويل "الهبة الديموغرافية" إلى قوة اقتصادية منتجة بدلاً من أن تتحول إلى عبء اجتماعي.
علاقة التعليم بالفقر (كسر الحلقة المفرغة):
يعد الفقر نتيجة طبيعية لنقص المهارات وصعوبة الوصول إلى الفرص. ومن هنا تبرز أهمية التعليم النوعي في:
• رفع الكفاءة الإنتاجية: الفرد المتعلم والمُدرب يمتلك فرصاً أكبر للحصول على دخل مرتفع، مما يساهم في انتشال عائلات بأكملها من خط الفقر.
• الحد من التوريث الجيلي للفقر: من خلال توفير تعليم مجاني وعادل يركز على المهارات المطلوبة فعلياً في السوق، يتم كسر الحلقة المفرغة التي تربط الفقر بنقص المعرفة.
رأس المال البشري والنمو الاقتصادي (الهدف الثامن):
لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي مستدام في العراق بنسبة نمو تتجاوز معدلات التضخم دون قوة عاملة "ماهرة". إن "العمل اللائق" يتطلب بيئة عمل محفزة، ولكن قبل ذلك يتطلب مؤهلات تنافسية، وهذا يتحقق من خلال:
. التعليم التقني والمهني: ضرورة إعادة الاعتبار للتعليم المهني الذي يرفد السوق بحرفيين وتقنيين يساهمون في إعمار البنى التحتية وتنشيط الصناعة المحلية. . اقتصاد المعرفة: تشجيع البحث العلمي والابتكار داخل الكليات، بحيث تتحول البحوث الأكاديمية إلى براءات اختراع ومشاريع تجارية تساهم في الناتج المحلي الإجمالي.
دور المؤسسات الأكاديمية في بناء الإنسان:
تقع على عاتق الكليات والجامعات العراقية مسؤولية كبرى في هذا الاستثمار، من خلال:
• التدريب المستمر: إقامة ورش عمل تخصصية للطلبة والخريجين لتطوير مهارات "الذكاء الاصطناعي" و"الإدارة الرقمية" و"اللغات".
• غرس روح المبادرة: تحويل عقلية الطالب من "باحث عن وظيفة" إلى "صانع للفرص" (Job Creator)، وهو ما يقلل الضغط على الموازنة العامة ويحفز القطاع الخاص.
التحديات والحلول:
يواجه الاستثمار في رأس المال البشري بالعراق تحديات مثل "هجرة العقول" وعدم مواءمة المناهج مع سوق العمل. الحل يكمن في بناء شراكة حقيقية بين وزارة التعليم العالي وقطاع الأعمال لضمان أن ما يُدرس في القاعات الدراسية هو ما يحتاجه المصنع والشركة والمؤسسة التنموية.
إن القضاء على الفقر في العراق يبدأ من "محاربة فقر المهارات"، والنمو الاقتصادي المستدام يبدأ من "بناء الإنسان". إن الاستثمار في رأس المال البشري هو استثمار طويل الأمد، لكنه الأكثر ربحاً وأماناً، وهو المفتاح الذي سيفتح للعراق أبواب الازدهار والعمل اللائق في عالم لا يعترف إلا بالتميز والابتكار.