تعد هذه الاتفاقية من أفضل ما توصل اليه المجتمع الدولي في مجال الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الاجنبية؛ إذ إنها يسرت الاعتراف باتفاق التحكيم وتنفيذه وفق اجراءات مبسطة وواضحة، كما انها تتميز بالوضوح وسهولة الفهم ، فضلا عن ذلك انها تركت الحرية للدول في وضع بعض التحفظات التي تتلائم مع سياستها التشريعية وعلاقتها مع الدول الاخرى، كالتحفظ الخاص بشرط المعاملة بالمثل، الامر الذي حث عدد كبيرا من البلدان على تقبل الاتفاقية المذكورة.
وتعمل منظمة الامم المتحدة وبعض المنظمات الاخرى الدولية على تشجيع الدول للانضمام إلى الاتفاقية المذكورة مما أثمر عن مائة واربعة وخمسون دولة حول العالم الى هذه الاتفاقية حتى العام 2015، من بينهم ثلاث عشر دولة عربية من غير العراق، هي كل من (الأردن، البحرين، تونس، الجزائر، عمان، سوريا، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، السعودية، موريتانيا، جيبوتي).
ويتضح نجاح الاتفاقية على مستوى القانون الدولي الخاص من خلال الرجوع الكتاب السنوي الذي يصدر بشأن التحكيم التجاري، والذي يحتوي على أكثر من 1400 حكماً قضائياً سنويا، اذ يتم تنفيذ هذه القرارات التحكيمية بنسبة تصل الى حوالي 90 %. وهذا ان ندل على شيء فإنه يدل على أثر هذه الاتفاقية في وصول تلك الاحكام الى التنفيذ
يمكننا مناقشة سريان نطاق اتفاقية نيويورك 1958 وتطبيقها من حيث الموضوع، اي الاحكام التي تكون مشمولة في هذه الاتفاقية من جهة ومن جهة أخرى من حيث الاشخاص ونقصد بذلك البلدان التي تكون مشمولة بأحكام هذه الاتفاقية:
1ـ نطاقها من حيث الموضوع: ليس كل ما يصدر من أحكام تحكيم يكون مشمولا بهذه الاتفاقية، وإنما تفرق الاتفاقية بين الأحكام الوطنية والاحكام الاجنبية ومعيار التفرقة هو مكان صدور حكم التحكيم حيث نصت الفقرة الأولى من المادة الأولى "تنطبق هذه الاتفاقية على الاعتراف بقرارات التحكيم وتنفيذها متى صدرت هذه القرارات في أراضي الدولة خلاف الدولة التي يطلب الاعتراف بهذه القرارات وتنفيذها فيها. ومتى كانت ناشئة عن خلافات بين أشخاص طبيعيين أو اعتباريين. وتنطبق أيضاً على قرارات التحكيم التي لا تعتبر قرارات محلية في الدولة التي يطلب فيها الاعتراف بهذه القرارات وتنفيذها." ويتضح من النص المذكور إن الاتفاقية تعالج مسألة الاعتراف بصحة حكم التحكيم وآثاره الملزمة بالنسبة لأطراف النزاع كما إن الاتفاقية تعالج مسألة تنفيذ الحكم بموجب القوانين الوطنية، وبالتالي استعمال كافة طرق الاجبار المنصوص عليها في تلك القوانين لتنفيذ حكم التحكيم على الشخص الذي صدر الحكم ضده.
فالاتفاقية تأخذ بمعيار المكان لمعرفة الحكم الأجنبي بالنسبة للدولة المراد الاعتراف تنفيذ الحكم فيها غير إن المادة المذكورة تنص على حالة أخرى وهي إن الحكم قد يصدر في الدولة المراد الاعتراف وتنفيذ الحكم فيها ومع ذلك يعتبر الحكم اجنبياً لأن الدولة المذكورة لا تعتبره من الاحكام الوطنية وفقاً لأحكام قوانينها النافذة، ورغم إن الاتفاقية تأخذ بالمعيار المكاني لمعرفة الحكم الأجنبي، إلا إنها لم تعالج مسألة معرفة مكان اصدار الحكم حيث يمكن ايراد معايير عديدة لتحديد المكان المذكور، فهل هو المكان الذي تم فيه الاتفاق على عقد التحكيم، أم المكان الذي تمت فيه اجراءات التحكيم، أم المكان الذي تم فيه التوقيع على الحكم من قبل المحكمين، أم المكان الذي توجد فيه مركز المؤسسة الخاصة بالتحكيم والتي نظرت في النزاع.
2ـ نطاقها من حيث الأشخاص والبلدان: ومما يلاحظ أيضا إن المادة الاولى من الاتفاقية نصت في فقرتها الاولى على إنها تطبق على الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم التي صدرت بشأن الخلافات الناشئة عن علاقات بين اشخاص طبيعية أو اشخاص معنوية وهذا يعني انها تسري على أحكام التحكيم التي يكون فيها أطراف النزاع كلاً أو بعضاً من أشخاص القانون العام كالمؤسسات أو اشخاص القطاع الاشتراكي عند ممارستها للنشاط التجاري أو عند تعاقدها بموجب عقود تتعلق بمعاملات تجارية ويبدو أن هذه هو السبب الذي شجع الدول الاشتراكية للانضمام إلى اتفاقية نيويورك.
وأما من حيث نطاقها على البلدان، فإن الاتفاقية لا تشترط تطبيقها أن يكون حكم التحكيم قد صدر في دولة منضمة اليها، فيجوز ان يكون الحكم قد صدر في دولة غير منضمة للاتفاقية ويراد الاعتراف وتنفيذ الحكم المذكور في دولة أخرى صادقت على الاتفاقية.
وقد اعطت الاتفاقية الحق للدول بأن تبدي تحفظات تشترط عدم سريان الاتفاقية الا على اساس المعاملة بالمثل أو على المعاملات التجارية فقط. كما اشارت الاتفاقية إلى جواز ان تعلن كل دولة عند الانضمام للاتفاقية بان الاتفاقية تشمل جميع أو أياً من الاقاليم التي تتكون منها الدولة.
وقد أشارت المادة السابعة إلى نطاق سريان الاتفاقية من حيث تعارضها مع الاتفاقيات والمعاهدات الاخرى التي تنظم التحكيم التي ترتبط بها الدول المتعاقدة بقولها "1- لا تؤثر هذه الاتفاقية على صحة ما تعقده الاطراف المتعاقدة من اتفاقيات متعددة الأطراف أو اتفاقيات ثنائية تتعلق بالاعتراف بقرارات التحكيم وتنفيذها ولا تحرم أياً من الاطراف المهتمة من أي حق يكون له في الاستفادة من أي قرار تحكيمي على نحو وإلى الحد اللذين يسمح بهما قانون أو معاهدات البلد الذي يسعى فيه إلى الاحتجاج بهذا القرار. 2- ينتهي العمل ببرتوكول جنيف المتعلق بالشروط التحكيمية لعام 1923 وباتفاقية جنيف المتعلقة بتنفيذ قرارات التحكيم لعام 1927 فيما بين الدول المتعاقدة بمجرد أن تصبح هذه الدول ملتزمة بهذه الاتفاقية وبقدر التزامها بها" فقد قررت اتفاقية نيويورك بموجب هذه المادة مبدأ عدم تأثير الاتفاقية على ما ورد في الاتفاقيات الثنائية أو الجماعية التي ابرمتها الدولة المنضمة إلى اتفاقية نيويورك في حدود النصوص التشريعية أو المعاهدات في البلد الذي يطالب فيه الاعتراف وتنفيذ الحكم، ومن جانب أخر أوقفت الاتفاقية عمل بروتوكول جنيف لعام 1923 المتعلق بشروط التحكيم واتفاقية جنيف لعام 1927 حول تنفيذ أحكام التحكيم الاجنبية بين الدول المتعاقدة منذ اليوم الذي تصبح فيه هذه الدولة ملتزمة بموجب هذه الاتفاقية.
وقد إنضم العراق إلى هذه الإتفاقية بموجب القانون رقم (14) لسنة 2021
الدكتور ثامر عبد الجبار السعيدي
كلية القانون - جامعة المستقبل
المقالة بصيغة PDF