هل يمكن أن يكون مستقبل الاتصالات في تقليل الرسائل بدلاً من زيادة سرعتها؟
على مدى عقود، انشغلت هندسة الاتصالات بتطوير شبكات قادرة على نقل أكبر كمية من البيانات بأعلى سرعة ممكنة. لكن الأبحاث الحديثة تطرح سؤالاً مختلفاً: هل تحتاج الشبكات الذكية فعلاً إلى إرسال كل ما تعرفه؟
تخيّل مدينة تضم ملايين المستشعرات التي تراقب الجسور والمصانع والمرافق الحيوية. بدلاً من إرسال قراءات متكررة كل ثانية، تستطيع هذه الأجهزة تحليل البيانات محلياً وإرسال المعلومات عندما يحدث تغير يستحق الاهتمام.
هنا يظهر مفهوم مثير يُعرف بـ الاتصالات المحفَّزة بالأحداث (Event-Triggered Communications)، ويتكامل مع اتجاه حديث آخر هو الاتصالات الدلالية (Semantic Communications)، الذي يركز على قيمة المعلومة ومعناها، وليس حجمها فقط.
والأكثر إثارة أن غياب الرسالة قد يحمل معنى هندسياً؛ فعندما يتوقع النظام وصول تنبيه عند حدوث خلل، يمكن للصمت أن يساهم في تقدير حالة المنظومة، بشرط التأكد من سلامة أجهزة الاستشعار وموثوقية الاتصال.
ومع تطور شبكات الجيل السادس (6G) ودمج الذكاء الاصطناعي، تبرز إمكانية بناء شبكات تتعلم متى تتحدث، ومتى تكتفي بالمراقبة، ومتى تصبح المعلومة مهمة بما يكفي لإرسالها فوراً.
هذا التحول لا يعني أن تقليل البيانات أفضل دائماً، بل يشير إلى مفهوم أعمق: كفاءة الاتصالات المستقبلية قد تُقاس بقيمة القرارات التي تتيحها الشبكة، وليس بعدد البتات التي تنقلها فقط.
وهكذا، قد لا يكون الإنجاز الأكبر في مستقبل الاتصالات أن نجعل الشبكات تتحدث أسرع، بل أن نجعلها أكثر ذكاءً في اختيار ما يستحق أن يُقال.
ففي عالم يغرق بالبيانات، قد يصبح الصمت المدروس أحد أرقى أشكال الاتصال الذكي.
م.د.مصدق ماهر عبدالزهرة
جامعة المستقبل الجامعة الاولى على الجامعات الاهلية في العراق