يشهد القطاع الصحي تطوراً تكنولوجياً متسارعاً، ويعد الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) من أبرز التقنيات الحديثة التي تسهم في تطوير الخدمات الصحية وتحسين جودة الرعاية المقدمة للمرضى، إذ أصبح استخدامه في وحدات التمريض وسيلة مهمة لمواجهة تحديات العمل السريري والإداري وتقليل الأعباء الملقاة على عاتق الملاكات التمريضية. ويعتمد الذكاء الاصطناعي على تقنيات متقدمة مثل التعلم الآلي والتعلم العميق ومعالجة اللغة الطبيعية، التي تتيح تحليل البيانات الصحية واستخلاص المعلومات وتقديم التوصيات المساندة للقرارات الطبية والتمريضية. وتتمثل أهم تطبيقاته في دعم اتخاذ القرارات السريرية من خلال تحليل بيانات المرضى ومراقبة العلامات الحيوية، مثل ضغط الدم ودرجة الحرارة ومعدل ضربات القلب والتنفس ومستوى تشبع الأوكسجين، فضلاً عن اكتشاف التغيرات غير الطبيعية وإرسال تنبيهات مبكرة للكادر التمريضي. كما يسهم في التنبؤ بالمضاعفات الصحية المحتملة، مثل الإنتان والسقوط وقرح الضغط والتدهور السريري، مما يساعد على التدخل المبكر وتعزيز سلامة المرضى. وفي مجال التوثيق التمريضي، يمكن استخدام الأنظمة الذكية لتحويل الملاحظات الصوتية إلى تقارير مكتوبة، وتنظيم السجلات الصحية، وتلخيص المعلومات المتعلقة بحالة المريض، وتقليل الوقت المستغرق في الأعمال الإدارية، مما يمنح الممرضين فرصة أكبر للتركيز على تقديم الرعاية المباشرة. كذلك يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين عملية تسليم واستلام المرضى من خلال تلخيص المعلومات السريرية والعلاجات والإجراءات التمريضية المطلوبة، فضلاً عن دعم سلامة إعطاء الأدوية من خلال التنبيه إلى الحساسية والتداخلات الدوائية والأخطاء المحتملة. ولا يقتصر دوره على الجانب السريري، بل يمتد إلى الإدارة التمريضية من خلال تنظيم جداول المناوبات، وتوزيع الملاكات وفق أعداد المرضى واحتياجاتهم الصحية، وتحليل ضغط العمل وتحسين استثمار الموارد البشرية. وفي وحدات العناية المركزة والطوارئ، تبرز أهمية هذه التقنيات في المراقبة المستمرة للمرضى وتحليل البيانات بصورة سريعة، بينما يمكن استخدامها في الوحدات العامة لمتابعة الحالات وتنظيم الخطط التمريضية وتحديد أولويات الرعاية. كما يوفر الذكاء الاصطناعي فرصاً مهمة في التعليم والتدريب التمريضي من خلال المحاكاة السريرية الافتراضية، وإنشاء الحالات التعليمية، وإنتاج الفيديوهات التدريبية، وتطوير مهارات طلبة التمريض والملاكات العاملة. وعلى الرغم من هذه الفوائد، فإن تطبيق الذكاء الاصطناعي يواجه مجموعة من التحديات، من أبرزها ارتفاع تكاليف بعض الأنظمة، وضعف البنية التحتية الرقمية، ونقص الخبرة التقنية لدى بعض الملاكات، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بخصوصية بيانات المرضى وأمن المعلومات والتحيز الخوارزمي واحتمالية تقديم توصيات غير دقيقة. لذلك يتطلب التطبيق الناجح لهذه التقنيات توفير بنية تحتية مناسبة، وتنظيم دورات تدريبية مستمرة للممرضين، ووضع ضوابط أخلاقية وقانونية واضحة، وتشجيع التعاون بين المؤسسات الصحية والجامعات وكليات هندسة الحاسوب لتطوير حلول تتناسب مع احتياجات وحدات التمريض. ومن المهم أن تبدأ المؤسسات الصحية بتطبيق مشاريع تجريبية في وحدات العناية المركزة والطوارئ، مع تقييم نتائجها من خلال مؤشرات مثل سرعة الاستجابة، ودقة التوثيق، ومعدلات الأخطاء، ورضا المرضى والملاكات التمريضية. ومن المتوقع أن يشهد المستقبل توسعاً في استخدام المساعدات التمريضية الافتراضية والروبوتات الطبية وأجهزة المراقبة الذكية القابلة للارتداء، الأمر الذي سيسهم في الانتقال من الرعاية التقليدية إلى الرعاية الصحية الذكية المعتمدة على تحليل البيانات والتنبؤ بالمخاطر. وفي الختام، يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة استراتيجية لتطوير وحدات التمريض وتحسين جودة الخدمات الصحية وتعزيز سلامة المرضى ورفع كفاءة الملاكات وتقليل الأعباء الإدارية، إلا أن نجاحه يعتمد على تحقيق التكامل بين التكنولوجيا والخبرة السريرية والمهارات الإنسانية، إذ إن الذكاء الاصطناعي لا يمثل بديلاً عن الممرض، بل أداة مساندة تعزز قدراته المهنية وتساعده على تقديم رعاية صحية آمنة وفعالة تتمحور حول المريض.جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق