يشهد العالم تحولًا ديموغرافيًا وصحيًا غير مسبوق، يتمثل في ارتفاع متوسط الأعمار وازدياد نسبة كبار السن، ومعه برز مفهوم الأمراض المزمنة المتعددة (Multimorbidity) كأحد أكبر التحديات التي تواجه الأنظمة الصحية الحديثة. لا يقتصر هذا المفهوم على إصابة الفرد بمرض مزمن واحد مثل السكري أو الضغط، بل يعني التعايش مع مرضين مزمنين أو أكثر في الوقت نفسه، مما يضع المريض وعائلته والمنظومة الصحية أمام تعقيدات علاجية ونفسية تتطلب منهجية جديدة في الرعاية.
إن إدارة مرض مزمن واحد تتطلب التزامًا عالياً بالخطة العلاجية، فكيف إذا اجتمعت عدة أمراض لدى المريض نفسه؟ إن التفاعل بين الأمراض المختلفة وأدويتها يؤدي إلى تحديات بالغة الأهمية: ومنها التداخل الدوائي (Polypharmacy): يتناول مريض الأمراض المتعددة قائمة طويلة من الأدوية التي يُصفها أطباء من اختصاصات مختلفة، مما يزيد من مخاطر التفاعلات الدوائية العكسية والآثار الجانبية. ومن التحديات أيضا عبء الرعاية (Treatment Burden): يتوزع المريض بين مراجعة عدة عيادات تخصصية، وإجراء فحوصات مخبرية متكررة، والالتزام بحميات غذائية قد تكون متضاربة في بعض الأحيان. وكذلك التأثير النفسي والاجتماعي: يؤدي العبء المستمر إلى الشعور بالإحباط والتوتر، وزيادة عرضة المريض للاكتئاب، بالإضافة إلى الإجهاد النفسي والمادي الواقع على أسرته (Caregiver Burnout).
في ظل هذه المعطيات، يبرز دور ممرض صحة المجتمع ليس فقط كمقدم للخدمة التمريضية، بل كمنسق رئيسي لمسار الرعاية الصحية وموجه موثوق للمريض وعائلته. ترتكز استراتيجية التمريض المجتمعي الحديثة على أربعة أركان أساسية: أولها . التنسيق الصحي المترابط (Care Coordination) حيث يعمل ممرض صحة المجتمع كحلقة وصل بين الأطباء المتخصصين، والصيدلي، وأخصائي التغذية، والمريض. يضمن هذا التنسيق توحيد الخطة العلاجية، وتجنب تكرار الفحوصات أو التعارض في الأدوية، وتسهيل متابعة المريض داخل مراكز الرعاية الأولية وفي المنزل. ثانيا التمكين والرعاية الذاتية (Self-Management Support) حيث اظهرت الدراسات أن تمكين المريض من فهم طبيعة أمراضه والتحكم بها هو مفتاح النجاح في العلاج. يقوم الممرض المجتمعي بتدريب المريض على قياس مستويات السكر والضغط في المنزل، وتدوين القراءات، والتعرف على أعراض الخطر التي تستدعي التدخل الفوري. ثالثا التقييم الشامل للبيئة المنزلية والاجتماعية حيث الرعاية لا تنتهي عند أبواب العيادة؛ حيث يقوم ممرض صحة المجتمع بزيارات منزلية لتقييم جودة الحياة، ومستوى أمان البيئة المنزلية للحد من خطر السقوط، ومدى دعم الأسرة للمريض، إضافة إلى تقييم الوضع الاقتصادي الذي قد يحول دون شراء الأدوية بانتظام.
وأخيرا إن التحول من نمط الرعاية المجزأة (المعتمدة على علاج كل مرض بشكل منفصل) إلى نمط الرعاية الشاملة المتكاملة المتركزة حول المريض (Patient-Centered Care) هو الخيار الاستراتيجي للحد من مضاعفات الأمراض المزمنة المتعددة.
تأتي أهمية تسليط الضوء على هذا الموضوع في إطار الدور الأكاديمي والبحثي لكليتنا/جامعتنا، لتعزيز الوعي الصحي وتأهيل كوادر تمريضية قادرة على قيادة المبادرات المجتمعية المبتكرة، بما يضمن رفع جودة حياة أفراد المجتمع وتقليل العبء على المنظومة الصحية الوطنية.جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق