يحرص المشرع على ضمان حسن سير القضاء وانتظام إجراءاته من خلال تحديد مواعيد وإجراءات يتعين على الخصوم الالتزام بها، مع ترتيب جزاءات إجرائية على مخالفتها ضماناً لاحترامها وتحقيق الغاية منها. ولما كان قانون المرافعات المدنية لم يتضمن تعريفاً جامعاً لكل من الإبطال وترك الدعوى للمراجعة، فقد تولى الفقه بيان المقصود بهما؛ إذ يُعرف الإبطال بأنه تنازل المدعي عن الخصومة القائمة مع احتفاظه بأصل الحق المدعى به، بما يجيز له تجديد المطالبة به مستقبلاً، ويترتب عليه اعتبار الدعوى كأن لم تكن. أما ترك الدعوى للمراجعة، فيُقصد به اتخاذ إجراء تفرضه المحكمة عند توافر أسبابه القانونية، بما يترتب عليه وقف السير في نظر الدعوى إلى حين مراجعة الخصوم وفقاً للقانون.
وقد نظّم قانون المرافعات المدنية العراقي حالات إبطال عريضة الدعوى وتركها للمراجعة في عدد من مواده؛ إذ بينت المادة (50) حكم عدم استكمال البيانات الواجب توافرها في العريضة، فيما نظّمت المادة (54) حالات ترك الدعوى للمراجعة وآثار عدم تجديدها، ومنحت المادة (56/2) المدعى عليه حق طلب إبطال العريضة عند عدم حضور المدعي رغم تبلغه. كما تناولت المادة (82) أثر عدم مراجعة الخصوم بعد انتهاء مدة وقف المرافعة أو استمرار استئخار الدعوى وفق الشروط القانونية، في حين أجازت المادة (88/1) للمدعي طلب إبطال عريضة دعواه. ونظّمت المادة (54/1) كذلك حالات ترك الدعوى للمراجعة عند اتفاق الخصوم أو تخلفهما عن الحضور رغم التبليغ.
ومع ذلك، فإن تطبيق القواعد العامة للإبطال وترك الدعوى للمراجعة لا يجري على إطلاقه في بعض دعاوى الأحوال الشخصية، ولا سيما الدعاوى المتصلة بمسائل الحل والحرمة، كالطلاق والزواج والنسب والميراث والملاعنة والظهار؛ نظراً لطبيعتها الخاصة وما يترتب على الفصل فيها من آثار شرعية وقانونية تتجاوز المصالح الشخصية للخصوم. وبناءً على ذلك، لا يجوز إخضاع هذه الدعاوى للقواعد العامة متى كان من شأن الإبطال أو الترك للمراجعة الحيلولة دون حسم موضوعها، الأمر الذي يقتضي من محكمة الأحوال الشخصية الاستمرار في نظرها واتخاذ الإجراءات اللازمة للفصل فيها بحكم أو قرار حاسم، بحسب الأحوال.
وقد كرّس القضاء هذا الاتجاه في عدد من قراراته؛ إذ قضت محكمة تمييز إقليم كوردستان، في القرار المرقم (49/شخصية/2006)، بضرورة التثبت من صحة الطلاق الواقع، مؤكدةً عدم جواز إبطال الدعوى لتعلق موضوعها بالحل والحرمة. كما أكدت المحكمة ذاتها، في القرار المرقم (86/شخصية/2004) المؤرخ في 8/8/2004، عدم جواز إبطال دعوى الطلاق لهذه العلة. واستقر قضاؤها كذلك على عدم جواز ترك دعوى الحكم بالطلاق للمراجعة متى كان ذلك يؤدي إلى إبطالها وفقاً للمادة (54) من قانون المرافعات المدنية، بما يوجب على المحكمة تبليغ الطرفين والمضي في حسم الدعوى.
م.م عمار يوسف خضير
كلية القانون - جامعة المستقبل
خبر موصى لك