شهدت بيئات العمل تحولًا كبيرًا نتيجة التوسع في العمل عن بُعد، والخدمات السحابية، وأجهزة إنترنت الأشياء (IoT)، مما جعل أساليب الحماية التقليدية المعتمدة على حدود الشبكة غير كافية لمواجهة التهديدات السيبرانية الحديثة. ومن هنا برز نموذج عدم الثقة المطلقة (Zero Trust Architecture – ZTA)، الذي يعتمد على مبدأ «لا تثق بأحد، وتحقق دائمًا من كل شيء» (Never Trust, Always Verify).
يعتمد هذا النموذج على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها التحقق المستمر من هوية المستخدم والجهاز، وتطبيق مبدأ أقل الصلاحيات (Least Privilege Access)، وافتراض احتمال حدوث اختراق، مع استخدام التشفير وتقسيم الشبكة إلى مناطق أمنية صغيرة للحد من انتشار الهجمات.
وتتكامل في تطبيق Zero Trust مجموعة من التقنيات، منها إدارة الهوية والوصول (IAM)، والتحقق متعدد العوامل (MFA)، والتقسيم الدقيق للشبكة (Micro-segmentation)، والوصول إلى الشبكة وفق نموذج عدم الثقة (ZTNA)، الذي يتيح الوصول إلى تطبيقات محددة دون منح صلاحية الوصول إلى الشبكة بالكامل.
ورغم أهمية هذا النموذج في تعزيز الأمن السيبراني، فإن تطبيقه يواجه تحديات، من بينها صعوبة دمجه مع الأنظمة القديمة، والحاجة إلى تحقيق التوازن بين متطلبات التحقق المستمر وسهولة استخدام الأنظمة، فضلًا عن تكاليف تطوير البنية التحتية وتدريب الكوادر البشرية.
وتبرز أهمية Zero Trust في البيئات الأكاديمية والمؤسسية، ولا سيما الجامعات التي تضم أعدادًا كبيرة من المستخدمين وأجهزة متنوعة؛ إذ يسهم في عزل شبكات الطلبة عن الموارد الإدارية والبحثية الحساسة، وحماية المنصات التعليمية والخدمات السحابية، ومراقبة الأنشطة غير الطبيعية والاستجابة لها.
وفي ظل تزايد الهجمات السيبرانية وبرمجيات الفدية، أصبح تبني نموذج عدم الثقة المطلقة ضرورة لتعزيز حماية المعلومات وبناء شبكات أكثر مرونة ومقاومة للاختراق، مع أهمية الجمع بين الحلول التقنية ونشر الوعي الأمني وتأهيل الكوادر المتخصصة في مجال الأمن السيبراني.