إعداد: المهندسة إسراء عيسى الجنابي
يمثل جسم الإنسان منظومة ديناميكية معقدة تعتمد في تفاعلاتها الأساسية على سيالات ونبضات كهربائية فائقة الدقة. فكل ضربة قلب، وكل انقباضة عضلة، وحتى أدنى تفكير أو نشاط عصبوني في الدماغ، يولد إشارات كهربائية حيوية (Bioelectric Signals) تنقل المعلومات عبر الأنسجة. ومع ذلك، فإن هذه الإشارات تتميز بكونها ضعيفة للغاية، إذ تُقاس بأجزاء من الملي فولت ($mV$) أو حتى الميكروفولت ($\mu V$)، مما يجعل التقاطها وتحليلها تحدياً هندسياً وفنياً ذا أهمية بالغة.هنا يأتي دور الهندسة الكهربائية والإلكترونيات الطبية، التي نجحت في تطوير دوائر متكاملة قادرة على "الاستماع" لهذه اللغة الخفية وتحويلها إلى بيانات رقمية دقيقة تعتمد عليها المنظومات الطبية في التشخيص والعلاج.1. المكونات الأساسية للالتقاط: المسرى والترشيحتبدأ رحلة التقاط الإشارة الحيوية من المجسات أو الأسرّة الكهربائية (Electrodes)، وهي نقاط التماس بين الجسم البشري والنظام الإلكتروني. تعمل هذه المجسات كـ "محولات طاقة" تقوم بتحويل التيار الأيوني الموجود في الأنسجة إلى تيار إلكتروني يمكن للدوائر التعامل معه.بمجرد عبور الإشارة من الجلد إلى الدائرة الإلكترونية، تبرز عقبة رئيسية تتمثل في الضوضاء والتشويش (Noise & Interference)، والتي تنجم عن عدة مصادر مثل:حركة المريض.التشويش الناتج عن شبكة الطاقة الكهربائية في الغرفة ($50/60\text{ Hz}$).الإشارات الحيوية المتداخلة من أعضاء أخرى.وللتغلب على هذا التشويش، تعتمد الدوائر الحديثة على المكشرات والمرشحات الإلكترونية (Bandpass Filters) التي تسمح بمرور النطاق الترددي المخصص للإشارة فقط (مثل ترددات القلب التي تتراوح بين $0.05$ إلى $100\text{ Hz}$) وتستبعد ما سواها.2. مضخمات القياس الدقيق: مفتاح تضخيم النبضات الضعيفةنظرًا للضعف الشديد في معالم الإشارة الحيوية، لا يمكن للدوائر التقليدية معالجتها مباشرة. لذا يُستعان بـ مضخمات القياس الدقيق (Instrumentation Amplifiers).تتميز هذه المضخمات بخاصيتين حاسمتين:معامل رفض النمط المشترك العالي (CMRR): يسمح هذا المعامل بإلغاء الضوضاء الموحدة التي تؤثر على السلكين معاً (مثل تشويش الكهرباء المنزلية) وتضخيم الفارق الدقيق فقط بين القطبين، وهو ما يمثل الإشارة الحيوية الفعلية.معاوقة الدخل العالية جداً (High Input Impedance): تمنع هذه الخاصية استهلاك الإشارة أو إضعافها أثناء الانتقال من الجلد إلى الدائرة.3. التحويل الرقمي ومعالجة الإشاراتبعد التنقية والتضخيم، تنتقل الإشارة إلى محول الإشارات التناظرية إلى رقمية (Analog-to-Digital Converter - ADC). يقوم هذا المحول بتحويل الإشارة المستمرة إلى سلسلة من أرقام ثنائية ($0$ و $1$)، مما يتيح للمعالجات الدقيقة والأنظمة الذكية مراقبة الإشارة وتحليلها.في هذه المرحلة، يمكن استخدام خوارزميات معالجة الإشارات الرقمية (DSP) والذكاء الاصطناعي لتشخيص الاضطرابات بدقة عالية، مثل:مخطط كهربائية القلب (ECG): لرصد اعتلالات النبض والتجلطات.مخطط كهربائية الدماغ (EEG): لمتابعة حالات الصرع ونشاط الدماغ.مخطط كهربائية العضلات (EMG): لتقييم صحة الأعصاب والتحكم في الأطراف الصناعية الذكية.الأفق المستقبلي للتقنيات الحيويةإن التطور المتسارع في الهندسة الكهربائية والإلكترونية فتح آفاقاً جديدة للأنظمة المدمجة القابلة للارتداء (Wearable Biosensors) وشريحة "الواجهة بين الدماغ والحاسوب" (BCI). هذه التقنيات أصبحت قادرة على قراءة لغة الجسد بشكل لحظي ومستمر دون الحاجة لإجراءات جراحية معقدة.إن فهم كيف تتحدث أجسادنا إلكترونياً لا يمثل مجرد إنجاز علمي، بل هو الجسر الذي يربط بين الهندسة التقنية وصحة الإنسان، ليعيد تعريف مستقبل الرعاية الصحية والطب التشخيصي.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.