كثير من النزاعات تبدأ بجملة واحدة: «لم أكن أعلم». يوقّع الناس عقودًا للشراء أو الإيجار أو العمل أو الشراكة، ثم يكتشفون بعد فوات الأوان أن ما فهموه يخالف ما كُتب، أو أن الطرف الآخر أخفى عنهم أمرًا جوهريًا. والقانون المدني يعالج هذه الحالات تحت ما يسمى «عيوب الإرادة»، لكن الوقاية قبل التوقيع أسهل بكثير من إثبات العيب بعده.
والغلط هو أن يقع المتعاقد في وهم يدفعه إلى التعاقد دون أن يكون للطرف الآخر دور في ذلك، كمن يشتري لوحة يظنها أصلية فتتبين نسخة مقلدة، أو يستأجر شقة يظن أنها في حي معين فإذا هي في حي آخر. ولا يكفي أي غلط لإبطال العقد، فأغلب القوانين تشترط أن يكون جوهريًا، أي أنه لولاه لما أبرم المتعاقد العقد. أما التدليس فهو أن يلجأ أحد الطرفين إلى الحيلة أو الكذب أو الكتمان ليدفع الطرف الآخر إلى التعاقد، كالبائع الذي يخفي عيبًا في السيارة أو يزعم وجود عروض أخرى ليستعجل المشتري. والفرق بين الاثنين أن الغلط وهم تلقائي، أما التدليس فوهم مصطنع بفعل الطرف الاخر
وأول ما ينبغي فعله قبل التوقيع أن تقرأ العقد كاملًا لا عنوانه فقط، فأخطر البنود غالبًا في الصفحات الأخيرة أو الخط الصغير، كالشروط الجزائية وحالات الفسخ والتجديد التلقائي والاختصاص القضائي، وإن لم تفهم عبارة فاطلب شرحها كتابةً. واطلب كذلك أن يُكتب كل وعد شفهي في العقد، فكلام البائع أو المؤجر أو صاحب العمل لا قيمة عملية له إن لم يرد فيه، فإذا قيل لك «الصيانة علينا» أو «التسليم خلال شهر» فاجعلها بندًا صريحًا.
وتحقق من الأوصاف الجوهرية بنفسك، فعاين المبيع، وتأكد من هوية الطرف الآخر وصفته وملكيته للشيء، واطلب المستندات الأصلية كسند الملكية والتراخيص والفواتير، ولا تعتمد على الصور أو الأوصاف وحدها. وانتبه لعلامات الضغط والاستعجال، فعبارات مثل «العرض ينتهي اليوم» أو «غيرك ينتظر» تُستعمل لمنعك من التفكير والمراجعة، والعقد الجيد يتحمل التروي. واسأل أسئلة مباشرة واحتفظ بالإجابات، فإذا سألت البائع «هل وقع على السيارة حادث؟» فأجاب بالنفي كتابةً صار الكذب في إجابته دليلًا على التدليس. وفي العقود الكبيرة كعقود العقار والشراكة والقروض، تكلّف استشارة محامٍ قبل التوقيع أقل بكثير من نزاع قضائي بعده.
وإن وقعت في الفخ فتحرّك بسرعة، لأن دعوى إبطال العقد للغلط أو التدليس تتقادم بمدة قصيرة نسبيًا في أغلب القوانين تُحسب من وقت اكتشاف العيب. وثّق كل شيء من رسائل وإعلانات وشهادة شهود وتسجيلات إن أجازها القانون في بلدك، ولا تتصرف في محل العقد بما قد يُفهم منه أنك أجزته ورضيت به رغم عيبه، ثم راجع محاميًا ليحدد هل الحالة غلط أم تدليس، وما الدليل المطلوب، وهل الأنسب إبطال العقد أم المطالبة بالتعويض.