يمثل الغاز الطبيعي المسال (LNG) أحد أهم التحولات في أسواق الطاقة خلال العقود الأخيرة، إذ أتاح نقل الغاز عبر البحار إلى مناطق لا تصلها خطوط الأنابيب، فحوّل سوقاً إقليمية مقيدة بالجغرافيا إلى سوق عالمية مرنة. وتقوم هذه التقنية على تبريد الغاز الطبيعي بعد معالجته وإزالة الماء وثاني أكسيد الكربون والمركبات الكبريتية إلى نحو 162 درجة مئوية تحت الصفر، فيتحول إلى سائل يقل حجمه قرابة 600 مرة، ما يجعل شحنه اقتصادياً في ناقلات متخصصة معزولة حرارياً، ثم يُعاد تحويله إلى الحالة الغازية في محطات الاستقبال أو وحدات التغييز العائمة (FSRU) ليُضخ في الشبكات الوطنية. وتتألف سلسلة القيمة من الاستخراج والمعالجة والإسالة والنقل البحري وإعادة التغييز والتوزيع، وتتطلب كل حلقة منها استثمارات ضخمة وتقنيات دقيقة وإدارة صارمة للسلامة. ويتميز الغاز الطبيعي بانبعاثات كربونية أقل من الفحم والنفط عند الحرق، مما جعله وقوداً انتقالياً يدعم التخلي التدريجي عن الفحم ويوفر مرونة تشغيلية تكمّل تذبذب الطاقة المتجددة، وقد زاد الاعتماد عليه بعد اضطرابات الإمدادات التي دفعت دولاً كثيرة إلى تنويع مصادرها وبناء محطات استقبال جديدة. غير أن هذه الصناعة تواجه تحديات منها كلفة البنية التحتية العالية، وتقلب الأسعار بين الأسواق، وتسرب الميثان وهو غاز دفيئة قوي يقوض الميزة المناخية إن لم يُضبط، إضافة إلى المخاطر الجيوسياسية وارتباط العقود طويلة الأمد بتقلبات الطلب المستقبلي مع تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة. وتتجه الصناعة اليوم إلى خفض بصمتها عبر تقليل الحرق والتسرب، وكهربة وحدات الإسالة بالطاقة المتجددة، وتطبيق تقنيات احتجاز الكربون. وبالنسبة للدول المنتجة للغاز، ومنها العراق الذي يمتلك احتياطيات كبيرة من الغاز المصاحب، فإن الاستثمار في الإسالة والتصدير قد يفتح باباً للإيرادات وتنويع الاقتصاد، شرط توافر الاستقرار التشريعي وجذب الشراكات التقنية وبناء الكوادر الوطنية، ليكون الغاز المسال جسراً حقيقياً نحو منظومة طاقة أكثر أمناً واستدامة.
جامعة المستقبل – الجامعة الأهلية الأولى في العراق