يشهد العالم في العقود الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب على الطاقة، مع استمرار الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري في إنتاج الكهرباء والعمليات الصناعية الكبرى. وقد أدى ذلك إلى تسارع التحديات المتعلقة بكفاءة الاستهلاك والانبعاثات الحرارية والكربونية المصاحبة لها. ومن هنا برزت الحاجة إلى حلول تقنية مبتكرة تسهم في تعظيم الاستفادة من الطاقة المدخلة وتقليل الهدر، وتُعد تقنيات تكامل الطاقة الحرارية الأرضية مع أنظمة الوقود النظيف من أهم المحاور الهندسية التي تساعد في بناء منظومات طاقة هجينة ومستدامة.
تعتمد المخططات التنموية للمدن الحديثة على تنويع مصادر الطاقة لضمان الموثوقية وتقليل الاعتماد على مصدر واحد. ومع ذلك، فإن العديد من المصادر المتجددة مثل الشمس والرياح تعاني من التذبذب الموسمي واليومي، مما يخلق فجوة في توفير أحمال التدفئة والتبريد المستمرة للمجمعات السكنية والصناعية. ويمثل هذا التذبذب تحدياً كبيراً أمام استغلال الوقود النظيف بفعالية، فضلاً عن الآثار الاقتصادية المترتبة على الحاجة لمنظومات خزن طاقة مكلفة.
تعتمد تقنية التكامل الهجين على استغلال الحرارة المستقرة المختزنة في باطن الأرض عبر المضخات الحرارية وأنظمة الاستخراج الجوفي، ودمجها مع حوامل الطاقة الحديثة مثل الهيدروجين الأخضر والوقود الحيوي. وتُسهم هذه المنظومات المدمجة في توفير التدفئة والتبريد والحرارة التشغيلية للعمليات الصناعية بكفاءة عالية، مما ينعكس على تقليل استهلاك الوقود المباشر وتحقيق أعلى مستويات الاستفادة من الخصائص الحرارية للأرض.
وتتميز هذه التقنية بإمكانية تطبيقها وتطويرها ضمن مشاريع التخطيط الحضري والمناطق الصناعية، مما يسمح بتقليل الانبعاثات الكربونية وزيادة الاعتماد على المصادر المستدامة دون التأثير على استقرار الشبكة. كما يمكن الاستفادة من الطاقة الحرارية الأرضية في رفع كفاءة إنتاج ومعالجة الوقود النظيف نفسه، وهو ما ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف الإنتاج وتقليل الأثر البيئي الكلي.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن تكامل الطاقة الحرارية الأرضية مع حوامل الوقود النظيف سيكون عنصرًا أساسيًا في تحقيق أهداف الحياد الصفري للانبعاثات، خاصة في المناطق الحضرية والقطاعات الخدمية والصناعية التي تتطلب إمدادات حرارية مستمرة على مدار العام.
ورغم المزايا الكبيرة لهذه التقنية، فإنها تواجه عددًا من التحديات، أهمها التكاليف الرأسمالية الأولية لحفر الآبار وإنشاء شبكات التوزيع الحراري، إضافة إلى الحاجة لتقييم دقيق الخصائص الجيولوجية والحرارية للمطبقات الأرضية. كما يتطلب نجاحها دراسات هندسية متقدمة لتصميم المبادلات الحرارية الجوفية ومواءمتها مع منظومات الوقود الحديثة.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت مراكز البحث والجامعات اهتمامًا واسعًا بتطوير أنظمة هجينة متقدمة، واستخدام برمجيات المحاكاة والنمذجة الهندسية لتحليل جرايان السوائل وانتقال الحرارة في باطن الأرض، مما يعزز فرص انتشار هذه الحلول المستقبلية وتطبيقها في المدن الذكية.
بالنسبة للعراق، فإن دراسة واستغلال التكاوين الجيولوجية ومصادر الحرارة الأرضية بالاقتران مع مشاريع الطاقة النظيفة يمثل فرصة واعدة لتطوير منظومات التدفئة والتبريد وتقليل الاستهلاك المباشر للمشتقات النفطية والكهرباء. كما يمكن للجامعات ومراكز البحث العراقية أن تؤدي دورًا مهمًا في تحديد الموارد الجوفية المتاحة وتصميم حلول هندسية تتلاءم مع الظروف المناخية والبيئية المحلية، بما يحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة.
وفي الختام، فإن تكامل الطاقة الحرارية الأرضية وأنظمة الوقود النظيف ليس بديلًا عن التوسع في باقي مصادر الطاقة المتجددة، بل يمثل تقنية مكملة تساعد على تقليل الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة في المدن والقطاعات القائمة. ومع استمرار التطور التقني والبحث العلمي، من المتوقع أن تصبح هذه المنظومات الهجينة أحد الأعمدة الأساسية لتحقيق مستقبل طاقي أكثر استدامة ودعم الجهود الوطنية والدولية لترشيد الاستهلاك والحفاظ على الموارد.
أهداف التنمية المستدامة ذات الصلة:
الهدف السابع: طاقة نظيفة وبأسعار معقولة.
الهدف التاسع: الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية.
الهدف الحادي عشر: مدن ومجتمعات محلية مستدامة.
الهدف الثالث عشر: العمل المناخي.
جامعة المستقبل – الجامعة الأهلية الأولى في العراق