يُمثل الفاقد الكهربائي في شبكات النقل والتوزيع أحد أكبر التحديات الهندسية والاقتصادية التي تواجه قطاع الطاقة العالمي، حيث يؤدي هدر الطاقة أثناء نقلها من محطات التوليد إلى المستهلك النهائي إلى خسائر مالية ضخمة واستنزاف غير مبرر للموارد الطبيعية وزيادة الانبعاثات الكربونية. تنقسم هذه الخسائر إلى نوعين رئيسيين: الفاقد الفني (Technical Losses) الناتج عن الخصائص الفيزيائية للموصلات والمعدات، والفاقد غير الفني (Non-Technical Losses) الناجم عن الاستهلاك غير المشروع والأخطاء الإدارية ودقة العدادات.تكمن أبرز المشاكل التقنية والهندسية المسببة للفاقد الفني في المقاومة الكهربائية للموصلات (تأثير جول الحراري $I^2R$)، وانخفاض مستويات الجهد على مسافات النقل الطويلة، فضلاً عن سوء توزيع الأحمال على الفازات الثلاث وانخفاض معامل القدرة (Power Factor) بسبب الأحمال الحثية. كما تتسبب المحولات القديمة غير الكفؤة في خسائر الحديد والنحاس المستمرة، بالإضافة إلى ارتفاع الانحرافات والتوافقيات الناجمة عن استخدام الأجهزة الإلكترونية الحديثة. أما على صعيد الفاقد غير الفني، فتظهر عقبات التعدي المباشر على الشبكة، والتلاعب بالعدادات، وغياب منظومات المراقبة والقياس اللحظية لتحديد نقاط التسرب بدقة.ولمواجهة هذه التحديات الهندسية والحد من الخسائر، طور المهندسون والباحثون حزمة من الحلول التكنولوجية والتطبيقات العملية المتقدمة. تتصدر هذه الحلول رفع مستويات جهد النقل والتوسع في استخدام خطوط النقل بالتيار المستمر عالي الجهد (HVDC) للحد من خسائر المقاومة عبر المسافات الطويلة، وإعادة تعويض القدرة غير الفعالة باستخدام مكثفات التوازي وأجهزة (FACTS) لرفع معامل القدرة وتخفيض التيار المار. كما يُسهم نشر المحولات عالية الكفاءة (كالتي تعتمد على النوى المغناطيسية اللا بلورية) واستبدال الموصلات التقليدية بموصلات فائقة التوصيل أو ذات مقاطع عرضية أكبر في تقليل الفاقد الفني بدرجة كبيرة. وتكتمل هذه المنظومة بتطبيق البنية التحتية للمقياس الذكي (AMI) وأنظمة التحكم والاستشعار في الشبكات الذكية (SCADA) للاكتشاف الآلي للتعديات وتحليل تدفقات القدرة وتحديد أماكن الفاقد بدقة عالية.جامعة المستقبل – الجامعة الأهلية الأولى في العراق