تُعد المصافي النفطية من أكثر المنشآت الصناعية تعقيدًا، إذ تضم آلاف المعدات والأجهزة التي تعمل بصورة مستمرة لإنتاج المشتقات النفطية المختلفة. ويؤدي أي عطل مفاجئ في هذه المعدات إلى خسائر اقتصادية كبيرة، وانخفاض الإنتاج، وزيادة مخاطر السلامة. لذلك اتجهت الصناعات النفطية في السنوات الأخيرة إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال الصيانة التنبؤية (Predictive Maintenance)، بهدف التنبؤ بالأعطال قبل حدوثها واتخاذ الإجراءات اللازمة لتجنبها.
تعتمد الصيانة التنبؤية على جمع البيانات من المعدات باستخدام أجهزة الاستشعار المثبتة على المضخات والضواغط والتوربينات والمبادلات الحرارية وغيرها من الوحدات التشغيلية. وتشمل هذه البيانات درجات الحرارة، والاهتزازات، والضغوط، ومعدلات التدفق، واستهلاك الطاقة، ثم تُحلل بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي لاكتشاف أي تغيرات غير طبيعية قد تشير إلى بداية حدوث عطل.
ويُعد التعلم الآلي (Machine Learning) من أهم تقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في هذا المجال، حيث تتعلم النماذج الذكية من البيانات التاريخية للمعدات، وتصبح قادرة على التنبؤ بموعد تعطلها أو انخفاض كفاءتها قبل فترة كافية من حدوث المشكلة. ويمنح ذلك فرق الصيانة الوقت الكافي للتدخل وإجراء الإصلاحات خلال فترات التوقف المخطط لها، مما يقلل من الأعطال المفاجئة ويزيد من استمرارية الإنتاج.
كما يسهم الذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة تشغيل الوحدات الصناعية داخل المصافي، إذ يمكنه تحليل ظروف التشغيل واقتراح أفضل القيم التشغيلية لتحقيق أعلى إنتاجية مع أقل استهلاك للطاقة. ويساعد ذلك في تقليل تكاليف التشغيل وخفض الانبعاثات الناتجة عن عمليات الاحتراق، إضافة إلى تحسين جودة المنتجات النفطية.
ومن الفوائد المهمة الأخرى للصيانة التنبؤية تعزيز سلامة العاملين، إذ إن اكتشاف الأعطال في مراحلها المبكرة يقلل من احتمالية حدوث الحرائق أو الانفجارات أو تسرب المواد الخطرة. كما يطيل العمر التشغيلي للمعدات، ويخفض تكاليف استبدالها، ويزيد من كفاءة استثمار الأصول الصناعية.
ورغم هذه المزايا، فإن تطبيق الذكاء الاصطناعي في المصافي يتطلب بنية تحتية رقمية متطورة، تشمل أجهزة استشعار دقيقة، وشبكات اتصال موثوقة، وقواعد بيانات متكاملة، إضافة إلى كوادر هندسية قادرة على التعامل مع تقنيات تحليل البيانات والبرمجة. كما تبرز أهمية الأمن السيبراني في حماية الأنظمة الرقمية من الاختراقات التي قد تؤثر في سلامة العمليات الصناعية.
وفي العراق، يمثل إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى المصافي النفطية فرصة مهمة لتطوير قطاع التكرير، وزيادة الاعتمادية التشغيلية، وتقليل تكاليف الصيانة، وتحسين كفاءة استغلال الموارد. ويمكن للجامعات العراقية، بالتعاون مع القطاع الصناعي، أن تسهم في إعداد مهندسين يمتلكون مهارات في الهندسة الكيميائية، وهندسة النفط، وتحليل البيانات، بما يدعم التحول الرقمي في الصناعة النفطية.
وفي الختام، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة استراتيجية في تطوير أعمال الصيانة داخل المصافي، حيث يوفر حلولًا ذكية تقلل الأعطال، وترفع كفاءة التشغيل، وتعزز السلامة الصناعية. ومع استمرار التطور في تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، من المتوقع أن تصبح الصيانة التنبؤية معيارًا أساسيًا في إدارة المصافي الحديثة وتحقيق صناعة نفطية أكثر كفاءة واستدامة.
أهداف التنمية المستدامة ذات الصلة:
الهدف الثامن: العمل اللائق ونمو الاقتصاد.
الهدف التاسع: الصناعة والابتكار والهياكل الأساسية.
الهدف الثاني عشر: الاستهلاك والإنتاج المسؤولان.
جامعة المستقبل – الجامعة الأهلية الأولى في العراق