يُعدّ نهر الفرات من أهم الموارد المائية في العراق، لما يؤديه من دور أساسي في توفير المياه ودعم الأنشطة الزراعية والاقتصادية والحفاظ على التوازن البيئي. ومن ثمّ، فإن حمايته من التلوث لا تمثل مجرد هدف بيئي، وإنما تُعدّ التزاماً قانونياً وإدارياً يرتبط بحماية الصحة العامة والموارد الطبيعية وتحقيق متطلبات التنمية المستدامة. وفي هذا الإطار يبرز الضبط الإداري البيئي بوصفه إحدى أهم الوسائل الوقائية التي تمارسها الإدارة للمحافظة على النظام العام البيئي ومنع الأفعال التي من شأنها الإضرار بالمياه.
ويقصد بالضبط الإداري مجموعة التدابير والإجراءات التي تتخذها السلطات الإدارية للمحافظة على النظام العام، ومن بينها النظام العام البيئي، وذلك من خلال وضع القيود والضوابط التي تكفل حماية البيئة قبل وقوع الضرر أو الحد منه عند حدوثه. وقد نظم المشرع العراقي هذه الحماية بصورة واضحة في قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009، الذي استهدف حماية البيئة والصحة العامة والموارد الطبيعية والحد من مصادر التلوث. (
وتتجلى أهمية الضبط الإداري في حماية نهر الفرات من خلال الرقابة البيئية والترخيص والتفتيش والإنذار ووقف النشاط المخالف وفرض الغرامات والإجراءات الإدارية الأخرى. فقد أخضع القانون الأنشطة المؤثرة في البيئة للرقابة البيئية، ومنح المراقب البيئي صلاحيات تتصل بالكشف والرقابة على المنشآت والأنشطة الخاضعة لأحكام القانون، مع وجود الشرطة البيئية بوصفها إحدى الآليات التنفيذية المساندة.
وتبرز الحماية الإدارية للمياه بصورة أكثر تحديداً في المادة (14) من القانون المذكور، التي حظرت تصريف المخلفات السائلة المنزلية أو الصناعية أو الخدمية أو الزراعية إلى الموارد المائية الداخلية السطحية والجوفية إلا بعد معالجتها وفق الضوابط والمواصفات البيئية، كما حظرت رمي النفايات الصلبة ومخلفات الحيوانات في الموارد المائية، ومنعت بعض الأنشطة التي تؤدي إلى تلوث المياه أو استغلال ضفافها بصورة تضر بالموارد المائية.
كما منح المشرع الإدارة وسائل مباشرة لمواجهة مصادر التلوث؛ إذ أجاز للوزير أو من يخوله إنذار المنشأة أو المصدر الملوث لإزالة العامل المؤثر، وفي حالة عدم الامتثال يمكن اتخاذ إجراءات تصل إلى إيقاف العمل أو الغلق المؤقت وفرض الغرامة إلى حين إزالة المخالفة. وتكشف هذه الوسائل عن الطبيعة الوقائية للضبط الإداري، إذ لا تنتظر الإدارة تحقق الضرر النهائي حتى تتدخل، وإنما تتدخل لمنع استمرار النشاط الضار بالبيئة. (
وعليه، فإن فاعلية الضبط الإداري في حماية نهر الفرات لا تتوقف على وجود النصوص القانونية، وإنما تتطلب تفعيل الرقابة الميدانية، وتشديد متابعة مصادر التصريف الصناعي والزراعي والمنزلي، وتعزيز التنسيق بين الجهات الإدارية والبيئية والمحلية، فضلاً عن استخدام وسائل الرصد الحديثة للكشف المبكر عن مصادر التلوث. وقد أكدت دراسات قانونية عراقية حديثة أهمية السلطات الإدارية المركزية والمحلية في توفير الحماية القانونية للمياه من التلوث وتفعيل الوسائل الإدارية والرقابية المقررة قانوناً. (
وخلاصة القول إن الضبط الإداري يمثل خط الدفاع الوقائي الأول لحماية نهر الفرات من التلوث، لما يملكه من وسائل تسمح للإدارة بالتدخل قبل وقوع الضرر أو الحد من آثاره. ولذلك فإن تعزيز الرقابة البيئية وتفعيل الجزاءات الإدارية وسرعة الاستجابة لمصادر التلوث، مع تطوير آليات التنسيق بين الجهات المختصة، يعد أمراً ضرورياً لضمان حماية هذا المورد المائي وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وحماية البيئة.
م. د. غثوان علي حسين الجبوري
كلية القانون - جامعة المستقبل