أ.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية - جامعة المستقبل
في ظل التطورات الاقتصادية المتسارعة والتقلبات الجيوسياسية المستمرة التي تشهدها المنطقة والعالم، يبرز التحدي الأكبر الذي يواجه الاقتصاد العراقي المتمثل في الاعتماد الأحادي على الإيرادات النفطية. إن هذا الارتباط الوثيق بالأسواق العالمية للطاقة يجعل الاقتصاد عرضة لصدمات خارجية قوية تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار المالي والتنموي. من هنا، جاءت التوجهات الاستراتيجية للمنهاج الوزاري (2026-2029) لتضع "الإصلاح الاقتصادي والمالي" في صدارة أولوياتها، محددةً مساراً واضحاً نحو بناء اقتصاد وطني متنوع وقادر على التكيف والمرونة.
ركائز بناء الاقتصاد المرن والمستدام
يعتمد الانتقال نحو اقتصاد منتج ومتنوع على عدة ركائز أساسية ومترابطة، تتكامل فيها السياسات المالية والنقدية مع دور فاعل للقطاعين العام والخاص:
1. اعتماد برامج الانضباط المالي وإعادة هيكلة الإنفاق العام: يتطلب بناء الاقتصاد المرن ترشيد الإنفاق الحكومي وتعزيز الإيرادات غير النفطية عبر إدخال تقنيات رقمية متطورة في عمليات الجباية والتحصيل المالي، وذلك بالتعاون مع المؤسسات الدولية المختصة لضمان كفاءة استخدام الموارد العامة.
2. تمكين القطاع الخاص وبيئة الأعمال: يُعد القطاع الخاص المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي وتوليد فرص العمل للشباب. لذا، فإن توفير بيئة استثمارية تنافسية تمنع الاحتكار وتدعم المبادرات الريادية يمثل خطوة محورية لإشراك هذا القطاع في تنويع قاعدة الإنتاج الوطني.
3. إصلاح القطاع المصرفي وتعزيز الامتثال المالي: لا يمكن الحديث عن تنمية اقتصادية حقيقية بمعزل عن قطاع مصرفي قوي وكفء. لذا تركز الخطط الحكومية على تسريع إصلاح المصارف الحكومية والخاصة، والالتزام بالمعايير المصرفية الدولية، لا سيما فيما يتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يعزز الثقة الدولية والمحلية بالبيئة المالية العراقية.
4. تأسيس الصناديق السيادية والمجالس العليا للتنسيق: لضمان استدامة الأجيال القادمة وحماية حقوقهم في الثروات الطبيعية، تبرز الحاجة الملحة لتأسيس آليات مؤسسية متقدمة مثل "صندوق الأجيال"، إلى جانب "المجلس الأعلى للاستقرار المالي والنقدي" و"المجلس الأعلى للاستثمار"، لتنسيق السياسات وتحفيز تدفق رؤوس الأموال المحلية والأجنبية نحو القطاعات الواعدة غير النفطية.
الخاتمة
إن الانتقال من اقتصاد ريعي أحادي إلى اقتصاد وطني متنوع ومنتج ليس رفاهية فكرية، بل هو ضرورة حتمية لتحقيق الاستقرار المستدام وحماية مقدرات الدولة من الصدمات الخارجية. إن تظافر جهود المؤسسات الأكاديمية، والقطاع الخاص، والجهات الحكومية في تنفيذ هذه الرؤية بخطى واثقة ومدروسة سيمهد الطريق لمستقبل اقتصاديوصناعي وخدمي أكثر استقراراً وازدهاراً للعراق.