التربينات النباتية بين الردع والاستمالة: دراسة في الإيكولوجيا الكيميائية"
مقدمة
م.م حيدر جواد
تُعدّ التربينات (Terpenes) من أكبر مجموعات المستقلبات الثانوية (Secondary Metabolites) التي تنتجها النباتات، وتشمل آلاف المركبات المتنوعة كيميائياً وبيولوجياً. تُبنى هذه المركبات من وحدات الإيزوبرين (Isoprene units) المكوّنة من خمس ذرات كربون، وتُصنَّف بحسب عدد هذه الوحدات إلى مونوتربينات، وسيسكوتربينات، وديتربينات، وتريتربينات، وغيرها. ورغم أن التربينات لا تدخل مباشرة في عمليات النمو والتكاثر الأساسية للنبات، إلا أنها تلعب دوراً محورياً في التفاعل بين النبات والكائنات الحية المحيطة به، ولا سيما الحيوانات العاشبة، إذ تتراوح وظيفتها بين الطرد والردع من جهة، والجذب والاستمالة من جهة أخرى.
التربينات كخط دفاع مباشر: الوظيفة الطاردة
تُنتج كثير من النباتات تربينات ذات رائحة أو طعم نفّاذ تعمل كمثبطات تغذية (Feeding deterrents) تجاه الحشرات والثدييات العاشبة. فبعض المونوتربينات، مثل تلك الموجودة في زيوت النعناع والخزامى والصنوبريات، تتسم بسمّية عصبية تجاه الحشرات من خلال تثبيط إنزيم الأستيل كولين إستريز، مما يُحدث اضطراباً في الجهاز العصبي للحشرة ويدفعها إلى الابتعاد عن النبات أو يؤدي إلى موتها إذا استمرت في التغذية عليه. كما تُسهم بعض الديتربينات والتريتربينات في إحداث تهيّج للأغشية المخاطية والجهاز الهضمي لدى الثدييات العاشبة، ما يقلل من استساغة النبات ويحدّ من الرعي عليه.
إضافة إلى التأثير الكيميائي المباشر، فإن الرائحة القوية لبعض التربينات المتطايرة تعمل كإشارة تحذيرية مبكرة (Deterrent cue) تمنع الحيوان من الاقتراب أصلاً، وهو ما يوفر على النبات تكلفة التعرض الفعلي للقضم. ويُلاحظ أن كثافة إنتاج هذه المركبات تزداد استجابة للإجهاد الحيوي، أي عند تعرض النبات فعلياً للقضم، في ظاهرة تُعرف بالدفاع المستحث (Induced defense)، حيث يرفع النبات من تركيز التربينات في أنسجته أو أوراقه المجاورة كاستجابة تكيفية سريعة.
التربينات كخط دفاع غير مباشر: استمالة الأعداء الطبيعيين
من أكثر الأدوار إثارة للاهتمام في بيئة التربينات هو دورها في الدفاع غير المباشر (Indirect defense)، إذ إن بعض التربينات المتطايرة التي يُطلقها النبات عند تعرضه للقضم لا تستهدف طرد العاشب نفسه، بل جذب أعدائه الطبيعيين، مثل الحشرات المفترسة أو الطفيليات (Parasitoids) التي تتغذى على يرقات الحشرات العاشبة أو تضع بيوضها داخلها. وبهذا تتحول رائحة النبات المصاب إلى ما يشبه "نداء استغاثة" كيميائي يوجّه الحشرات النافعة مباشرة إلى مكان الإصابة، فيقل الضرر عن النبات دون أن يبذل جهداً دفاعياً مباشراً إضافياً. هذه الظاهرة موثّقة جيداً في نباتات الذرة والقطن وبعض الأشجار الحرجية.
التربينات كعامل جذب: التلقيح والانتشار
في المقابل، تستخدم النباتات تربينات أخرى، أو التركيز ذاته من التربينة بجرعات مختلفة، لأغراض جاذبة لا طاردة، وأبرزها جذب الملقّحات كالنحل والفراشات من خلال الروائح العطرية للأزهار، وكثير من هذه الروائح مصدرها مونوتربينات وسيسكوتربينات متطايرة. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الحيوانات العاشبة نفسها قد تنجذب لا تُطرد بتربينات معينة، إذ تعتمد عليها كإشارة لتحديد مصادر غذاء مناسبة أو نضيجة، كما يحدث في بعض علاقات التغذية التخصصية (Specialist herbivory) حيث يتكيف عاشب معين مع تربين بعينه ويستخدمه كمحفز شهية بدلاً من كونه رادعاً.
ازدواجية الوظيفة: نفس المركب، تأثير مختلف
من أهم ما يميز التربينات في هذا السياق هو ازدواجية تأثيرها، إذ إن المركب الواحد قد يكون طارداً لعاشب معمم (Generalist) وجاذباً لعاشب متخصص (Specialist) تكيّف تطورياً مع سميته أو استساغ رائحته، بل واستغلها أحياناً في تمويه نفسه أو جذب شريكه للتزاوج. كذلك فإن التركيز والجرعة يلعبان دوراً حاسماً؛ فتركيز منخفض من تربين معين قد يعمل كمحفز جذب بينما يتحول التركيز المرتفع من المركب نفسه إلى رادع أو سام.
جامعه المستقبل الاولى على الجامعات الأهليه في العراق.