أ.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية - جامعة المستقبل
لا تقتصر أهمية مضيق هرمز على كونه ممراً استراتيجياً لنقل النفط والغاز، بل تمتد آثاره إلى منظومة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأسعار السلع الأساسية. فأي اضطراب في حركة الملاحة عبر هذا الممر الحيوي يمكن أن ينعكس على تكاليف النقل والتأمين والطاقة، ومن ثم على أسعار الغذاء والقدرة على تأمين الإمدادات الغذائية، ولا سيما في الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.
وتكتسب هذه التداعيات أهمية خاصة بالنسبة إلى العراق، في ظل ارتباط جزء مهم من احتياجات السوق المحلية الغذائية بالأسواق الخارجية. ولذلك فإن أزمة مضيق هرمز تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد العراقي على حماية أمنه الغذائي، كما تضع الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة أمام تحديات جديدة، إذ يدعو هذا الهدف إلى القضاء على الجوع، وتحقيق الأمن الغذائي، وتحسين التغذية، وتعزيز الزراعة المستدامة.
الطاقة والغذاء.. علاقة تتجاوز حدود القطاعين
قد يبدو للوهلة الأولى أن أزمة الطاقة منفصلة عن قضية الغذاء، إلا أن العلاقة بينهما وثيقة للغاية. فالزراعة الحديثة تعتمد على الطاقة في تشغيل الآلات والمضخات ووسائل النقل والتخزين والتبريد، كما تدخل الطاقة بصورة غير مباشرة في إنتاج الأسمدة والمبيدات والمواد الزراعية.
وعليه، فإن ارتفاع أسعار النفط والطاقة نتيجة اضطراب حركة الملاحة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي والنقل والتخزين، الأمر الذي ينعكس في النهاية على أسعار المنتجات الغذائية.
كما أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري يمكن أن يزيد كلفة استيراد الحبوب والمواد الغذائية والأعلاف وغيرها من السلع، وهو ما قد يضع ضغوطاً إضافية على الأسعار المحلية ويؤثر في القوة الشرائية للأسر، خصوصاً الأسر محدودة الدخل.
الأمن الغذائي العراقي أمام اختبار جديد
يمتلك العراق إمكانات زراعية مهمة، إلا أن تحقيق الأمن الغذائي لا يزال يرتبط بعوامل متعددة، من بينها الإنتاج المحلي، وتوفر المياه، وكفاءة البنية التحتية الزراعية، والأسواق، والاستيراد.
وتكشف الأزمات العالمية أهمية عدم الاعتماد المفرط على الخارج في توفير السلع الغذائية الأساسية. فكلما ارتفعت درجة الاعتماد على الاستيراد، أصبح الأمن الغذائي أكثر تأثراً باضطرابات النقل والأسعار العالمية والأزمات الجيوسياسية.
ومن هنا، فإن أزمة مضيق هرمز تطرح سؤالاً استراتيجياً أمام صانع القرار العراقي: إلى أي مدى يستطيع العراق تأمين احتياجاته الغذائية في حال استمرار اضطرابات التجارة الدولية وارتفاع تكاليف النقل والطاقة؟
والإجابة عن هذا السؤال لا ترتبط بزيادة الاستيراد فقط، بل تتطلب بناء قاعدة إنتاجية محلية قادرة على توفير جزء أكبر من الاحتياجات الغذائية بصورة مستدامة.
ارتفاع تكاليف النقل وتأثيره في المستهلك
من أخطر الآثار غير المباشرة للأزمات الجيوسياسية ارتفاع تكاليف نقل السلع. فالغذاء الذي يصل إلى المستهلك يمر بسلسلة طويلة تبدأ بالإنتاج وتنتهي بالنقل والتخزين والتوزيع والبيع.
وأي زيادة في تكلفة الوقود أو التأمين أو الشحن البحري يمكن أن تنتقل تدريجياً عبر هذه السلسلة إلى السعر النهائي للسلعة.
وفي حالة العراق، فإن ارتفاع أسعار الغذاء لا يمثل مجرد قضية اقتصادية، بل يحمل أبعاداً اجتماعية وتنموية، لأن الأسر ذات الدخل المحدود تنفق نسبة أكبر من دخولها على الغذاء. وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار يمكن أن يقلل قدرتها على الإنفاق على التعليم والصحة والسكن وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
وهنا تبرز العلاقة المباشرة بين الهدف الثاني والهدف الأول للتنمية المستدامة؛ إذ إن ارتفاع أسعار الغذاء قد يؤدي إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على الفئات الأكثر هشاشة، ويهدد الجهود الرامية إلى الحد من الفقر وتحسين مستويات المعيشة.
الزراعة العراقية كخط دفاع اقتصادي
إن مواجهة تداعيات الأزمات الخارجية لا يمكن أن تعتمد فقط على الإجراءات السعرية أو زيادة الاستيراد، بل تتطلب تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي.
ويحتاج العراق إلى تطوير الزراعة من خلال استخدام التقنيات الحديثة، وتحسين كفاءة استخدام المياه، وتطوير أنظمة الري، ودعم المزارعين، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، وتحسين التخزين والنقل والتسويق.
كما أن الاستثمار في الصناعات الغذائية يمثل حلقة مهمة في تحقيق الأمن الغذائي، لأنه يضيف قيمة إلى المنتجات الزراعية المحلية، ويقلل من الفاقد، ويوفر فرص عمل، ويعزز قدرة السوق على مواجهة اضطرابات الإمدادات الخارجية.
ومن شأن بناء منظومة متكاملة تبدأ من المزرعة وتنتهي بالمستهلك أن يقلل من هشاشة الأمن الغذائي أمام الصدمات الدولية.
الإيرادات النفطية.. فرصة لتمويل الأمن الغذائي
قد تؤدي اضطرابات أسواق النفط العالمية إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما يمكن أن يوفر للعراق إيرادات إضافية في بعض الظروف. إلا أن الاستفادة الحقيقية من هذه الإيرادات لا ينبغي أن تقتصر على زيادة الإنفاق الاستهلاكي.
فيمكن توجيه جزء من الموارد المالية الإضافية نحو تطوير القطاع الزراعي، وإنشاء مشاريع الري الحديثة، وتطوير المخازن والصوامع، ودعم سلاسل التبريد، وتحسين الطرق الريفية، وتمويل البحث العلمي الزراعي.
وبذلك يمكن تحويل جزء من العوائد النفطية من إيرادات استهلاكية مؤقتة إلى استثمارات إنتاجية تعزز الأمن الغذائي على المدى الطويل.
نحو سياسة غذائية أكثر استدامة
إن تحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة يتطلب الانتقال من مفهوم التعامل مع الغذاء بوصفه سلعة متاحة في الأسواق إلى اعتباره جزءاً من الأمن الوطني والاقتصادي.
فالأمن الغذائي لا يعني فقط توفر الغذاء، وإنما يعني أيضاً القدرة على الوصول إليه بأسعار مناسبة، وضمان جودته وسلامته، واستدامة إنتاجه، وقدرة الدولة والمجتمع على تأمينه في أوقات الأزمات.
ومن هنا، ينبغي أن تتكامل السياسة الزراعية مع السياسة الاقتصادية والتجارية والطاقة والنقل، لأن الأمن الغذائي منظومة متداخلة لا يمكن تحقيقها من خلال قطاع واحد.
تكشف أزمة مضيق هرمز أن الأمن الغذائي أصبح مرتبطاً بصورة متزايدة بالأمن الاقتصادي وأمن الطاقة واستقرار طرق التجارة العالمية. فأي اضطراب في حركة الملاحة يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، ثم ينتقل أثره إلى تكاليف الإنتاج والاستيراد وأسعار الغذاء.
وبالنسبة إلى العراق، فإن هذه التداعيات تؤكد الحاجة إلى تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي، وتنويع مصادر الغذاء، وتطوير البنية التحتية الزراعية والغذائية، والاستفادة من الإيرادات النفطية في بناء قاعدة إنتاجية أكثر قدرة على الصمود.
إن تحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة لا يتطلب فقط مكافحة الجوع، بل بناء منظومة غذائية عراقية قادرة على مواجهة الصدمات الخارجية، وتحقيق الغذاء الآمن والميسور والمستدام لجميع أفراد المجتمع.
وهنا تكمن الرسالة الأهم التي تفرضها أزمة مضيق هرمز: كلما امتلك العراق قدرة أكبر على إنتاج غذائه محلياً، أصبح أقل تعرضاً لتقلبات الأسواق العالمية وأكثر قدرة على حماية أمنه الاقتصادي والاجتماعي.