أ.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية - جامعة المستقبل
يمثل الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة أحد المحاور الأساسية لبناء اقتصادات أكثر قوة وشمولاً، إذ يركز على تعزيز النمو الاقتصادي المستدام والشامل، وتحقيق العمالة الكاملة والمنتجة، وتوفير العمل اللائق للجميع. وتبرز أهمية هذا الهدف في الاقتصاد العراقي بصورة خاصة، نظراً إلى الحاجة المستمرة لتنويع مصادر النمو، وتقليل الاعتماد على النشاط النفطي، وتوسيع قاعدة القطاعات الإنتاجية، وخلق فرص عمل مستدامة تستوعب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
وفي هذا السياق، يؤدي القطاع المصرفي دوراً محورياً في تحريك النشاط الاقتصادي، من خلال تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو الاستثمار والإنتاج، وتوفير الائتمان للمؤسسات والمشروعات، وتمويل الأنشطة الاقتصادية المختلفة. غير أن قدرة المصارف على أداء هذا الدور ترتبط بدرجة كبيرة بمستوى جودة أدائها وكفاءتها المالية والإدارية والتكنولوجية.
المصارف والنمو الاقتصادي
ترتبط جودة القطاع المصرفي ارتباطاً وثيقاً بقدرة الاقتصاد على تحقيق النمو. فالمصارف تمثل حلقة الوصل بين الوحدات الاقتصادية التي تمتلك فوائض مالية والوحدات التي تحتاج إلى التمويل، وبالتالي فإن كفاءة هذه الوساطة تؤثر بصورة مباشرة في حجم الاستثمار والنشاط الاقتصادي.
وكلما تمكنت المصارف من جذب المدخرات وتوظيفها بكفاءة في المشاريع المنتجة، ازدادت قدرتها على المساهمة في زيادة الإنتاج والدخل وخلق فرص العمل.
أما ضعف الأداء المصرفي، فيؤدي إلى ارتفاع كلفة الوساطة المالية، وتراجع الثقة، وضعف القدرة على جذب المدخرات، وانخفاض حجم التمويل الموجه إلى القطاعات الإنتاجية، وهو ما ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي.
لذلك فإن تطوير جودة الأداء المصرفي في العراق ينبغي أن يكون جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز النمو الاقتصادي وتنويع مصادره.
التمويل المصرفي ودعم الاستثمار
يعد الاستثمار أحد أهم المحركات لتحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. وفي الاقتصاد العراقي، يمكن للمصارف أن تؤدي دوراً أكبر في تمويل المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية والتكنولوجية، فضلاً عن مشاريع البنية التحتية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ولا تقتصر أهمية التمويل على توفير الأموال للمشروع، وإنما تمتد إلى تقييم الجدوى الاقتصادية، وتحليل المخاطر، ومتابعة استخدام التمويل، وتقديم الاستشارات المالية.
والمصرف الذي يمتلك أنظمة متطورة لتقييم الائتمان وإدارة المخاطر يكون أكثر قدرة على توجيه التمويل إلى المشاريع القابلة للنمو والاستمرار، وتقليل حالات التعثر، وتحقيق أثر اقتصادي أكبر لكل وحدة تمويل.
ومن هنا، فإن جودة الأداء المصرفي لا تقاس فقط بحجم القروض الممنوحة، وإنما بمدى كفاءة توظيفها وقدرتها على خلق قيمة اقتصادية حقيقية.
المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومحرك فرص العمل
تحتل المشاريع الصغيرة والمتوسطة موقعاً مهماً في تحقيق الهدف الثامن، نظراً إلى قدرتها على خلق فرص عمل وتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي.
وفي العراق، يمكن للمصارف أن تعزز مساهمتها في هذا المجال من خلال تصميم منتجات تمويلية تتناسب مع احتياجات هذه المشاريع، وتبسيط إجراءات الحصول على التمويل، وتقديم برامج تمويلية متدرجة ترتبط بمراحل نمو المشروع.
كما يمكن للمصارف أن تتعاون مع الجامعات وحاضنات الأعمال ومؤسسات دعم ريادة الأعمال لتوفير التمويل والاستشارات والتدريب لأصحاب المشاريع الناشئة.
إن تمويل مشروع صغير ناجح قد لا يؤدي إلى تحسين دخل صاحبه فقط، بل يمكن أن يؤدي إلى تشغيل عدد من العاملين، وتنشيط الموردين، وزيادة الطلب على الخدمات، وبالتالي خلق أثر اقتصادي مضاعف في المجتمع المحلي.
المصارف ودعم ريادة الأعمال
يمثل الانتقال من ثقافة البحث عن الوظيفة إلى ثقافة صناعة فرص العمل أحد المسارات المهمة لمعالجة تحديات سوق العمل.
وفي هذا المجال، تستطيع المصارف أن تكون شريكاً أساسياً في دعم رواد الأعمال من خلال تمويل المشاريع الابتكارية، وتوفير الحسابات والخدمات الرقمية، وتقديم الاستشارات المالية، وربط أصحاب المشاريع بالمستثمرين والأسواق.
كما يمكن تطوير برامج تمويل خاصة بالمشروعات الناشئة، تعتمد على تقييم نموذج العمل والتدفقات النقدية المستقبلية، بدلاً من الاعتماد الكامل على الضمانات التقليدية التي قد لا تتوفر لدى رواد الأعمال الشباب.
العمل اللائق والاستقرار الاقتصادي
لا يرتبط الهدف الثامن بمجرد زيادة عدد الوظائف، وإنما يتضمن توفير عمل لائق ومنتج يوفر دخلاً مناسباً وبيئة عمل آمنة ومستقرة.
ويمكن للقطاع المصرفي أن يسهم بصورة غير مباشرة في تحقيق ذلك من خلال توجيه التمويل نحو المؤسسات والمشاريع التي توسع نشاطها وتخلق وظائف مستقرة، وتشجيع الاستثمارات التي تعتمد على التكنولوجيا والمهارات وتزيد الإنتاجية.
كما أن المصارف نفسها تعد من المؤسسات التي يمكن أن تقدم نموذجاً في توفير بيئة عمل مهنية قائمة على التدريب المستمر وتطوير المهارات والتحول الرقمي وتكافؤ الفرص.
التحول الرقمي ودعم سوق العمل
أحدث التحول الرقمي تغيرات عميقة في طبيعة العمل والمهارات المطلوبة. وأصبح القطاع المصرفي من أكثر القطاعات ارتباطاً بهذه التحولات نتيجة الانتقال المتزايد نحو الخدمات المصرفية الرقمية والتكنولوجيا المالية.
ويمكن للاستثمار المصرفي في التكنولوجيا أن يسهم في خفض كلفة الخدمات، وزيادة الإنتاجية، وتحسين الوصول إلى العملاء، وفي الوقت نفسه خلق طلب على مهارات جديدة في مجالات البرمجيات وتحليل البيانات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية.
وهذا يتطلب من المصارف العراقية الاستثمار في رأس المال البشري، وعدم النظر إلى التحول الرقمي باعتباره استثماراً في التكنولوجيا فقط، بل باعتباره تحولاً في نموذج العمل والمهارات والثقافة المؤسسية.
جودة الحوكمة وإدارة المخاطر
تمثل الحوكمة الرشيدة وإدارة المخاطر أحد أهم أبعاد جودة الأداء المصرفي. فالمصرف الذي يتمتع بنظام حوكمة فعال يكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات ائتمانية واستثمارية رشيدة، وحماية أموال المودعين، وتعزيز ثقة المستثمرين.
كما تساعد الإدارة الفعالة للمخاطر على ضمان استمرارية التمويل وتقليل التقلبات التي يمكن أن تؤثر في قدرة المصارف على دعم الاقتصاد.
ومن ثم، فإن تعزيز الحوكمة والشفافية والإفصاح والمساءلة داخل المصارف يمثل شرطاً مهماً لزيادة مساهمتها في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام.
الشمول المالي ودعم النشاط الاقتصادي
يمكن للشمول المالي أن يؤدي دوراً مهماً في توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، من خلال إدخال شرائح جديدة إلى النظام المالي الرسمي.
فإتاحة الحسابات والخدمات المصرفية للأفراد وأصحاب الأعمال الصغيرة تسهل الادخار، وإجراء المدفوعات، والوصول إلى التمويل، وإدارة التدفقات النقدية.
كما أن توسيع الشمول المالي يمكن أن يساعد المشروعات غير الرسمية على الانتقال تدريجياً إلى الاقتصاد المنظم، بما يعزز قدرتها على النمو والاستفادة من الخدمات المالية.
ولهذا فإن جودة الأداء المصرفي ينبغي أن تقترن بسهولة الوصول إلى الخدمة، وانخفاض كلفتها، ووضوح إجراءاتها، وحماية حقوق العملاء.
التحديات التي تحد من الدور المصرفي
تواجه المصارف العراقية مجموعة من التحديات التي يمكن أن تحد من قدرتها على دعم النمو وخلق فرص العمل، من بينها محدودية التمويل طويل الأجل، وارتفاع مخاطر الائتمان لبعض القطاعات، وضعف بعض قواعد البيانات الائتمانية، ومحدودية الثقافة المالية، إضافة إلى تحديات التحول الرقمي والأمن السيبراني.
كما أن ضعف التنوع الاقتصادي يؤدي إلى زيادة تركّز النشاط الاقتصادي في قطاعات محددة، الأمر الذي يحد من فرص التوسع في التمويل الإنتاجي.
وتتطلب معالجة هذه التحديات تعاوناً بين المصارف والجهات الرقابية والحكومة والقطاع الخاص والجامعات، بما يؤدي إلى بناء بيئة مالية أكثر كفاءة واستقراراً.
آليات تعزيز مساهمة المصارف في تحقيق الهدف الثامن
يمكن تعزيز الدور التنموي للمصارف العراقية من خلال تطوير مجموعة من السياسات والإجراءات، أبرزها:
• توجيه نسبة أكبر من التمويل نحو القطاعات الإنتاجية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
• تطوير نماذج ائتمانية حديثة تعتمد على البيانات وتحليل التدفقات النقدية.
• تبسيط إجراءات الحصول على التمويل وتقليل كلفته.
• دعم المشروعات الناشئة ورواد الأعمال وبرامج الابتكار.
• توسيع الخدمات المصرفية الرقمية والدفع الإلكتروني.
• الاستثمار في تدريب العاملين وتطوير المهارات المصرفية والتكنولوجية.
• تعزيز الحوكمة والشفافية وإدارة المخاطر.
• تطوير الشراكة بين المصارف والجامعات ومؤسسات التدريب وسوق العمل.
• اعتماد مؤشرات تقيس الأثر الحقيقي للتمويل في خلق فرص العمل والنمو الاقتصادي.
دور الجامعات في بناء اقتصاد قائم على المعرفة
تؤدي الجامعات وكليات الإدارة والاقتصاد دوراً مهماً في دعم الهدف الثامن من خلال إعداد الكفاءات التي يحتاج إليها القطاع المصرفي وسوق العمل.
كما يمكن للجامعات أن تتعاون مع المصارف في إنشاء حاضنات ومسرعات أعمال، وتنظيم برامج تدريبية، وإجراء البحوث التطبيقية المتعلقة بالتمويل والاستثمار وسوق العمل، وتطوير حلول مبتكرة للتحديات الاقتصادية.
ويمكن أن تمثل هذه الشراكة جسراً بين التعليم وسوق العمل، بحيث تصبح البرامج الأكاديمية أكثر ارتباطاً بالمهارات المطلوبة في الاقتصاد الحديث، ولا سيما في مجالات التكنولوجيا المالية، وتحليل البيانات، وإدارة المخاطر، والذكاء الاصطناعي.
إن جودة أداء المصارف العراقية تمثل أحد العوامل المهمة في دعم النمو الاقتصادي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الثامن المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي.
فالمصارف القادرة على تعبئة المدخرات بكفاءة، وتوجيه التمويل نحو المشاريع الإنتاجية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتمويل ريادة الأعمال، وتوسيع الشمول المالي، وتوظيف التكنولوجيا، تستطيع أن تؤدي دوراً يتجاوز الوساطة المالية التقليدية إلى الإسهام الفعلي في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنوعاً.
ومن ثم، فإن تطوير القطاع المصرفي العراقي لا ينبغي أن يُقاس فقط بمؤشرات الربحية وحجم الأصول، بل بمدى قدرته على تحويل الموارد المالية إلى استثمار وإنتاج وفرص عمل ودخل مستدام.
وعندما تتكامل جودة الأداء المصرفي مع سياسات اقتصادية داعمة للقطاع الخاص والاستثمار والإنتاج، يمكن للمصارف العراقية أن تصبح إحدى أهم روافع التحول نحو اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على توفير العمل اللائق وتحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل.