أ.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية - جامعة المستقبل
يمثل القضاء على الفقر بجميع أشكاله وفي كل مكان أحد أهم التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، وقد جعلت الأمم المتحدة من القضاء على الفقر الهدف الأول ضمن أهداف التنمية المستدامة لعام 2030. ولا يرتبط تحقيق هذا الهدف بالسياسات الاجتماعية المباشرة فحسب، بل يتطلب أيضاً إدارة مالية عامة كفوءة، وموازنة اتحادية مستقرة وقادرة على توجيه الموارد نحو القطاعات والفئات الأكثر احتياجاً.
وفي العراق، تكتسب الموازنة الاتحادية أهمية استثنائية، نظراً إلى اعتماد النشاط الاقتصادي والإنفاق العام بدرجة كبيرة على الموارد النفطية. ومن ثم فإن تأخر إقرار الموازنة أو تنفيذها في المواعيد المناسبة لا يمثل مجرد إشكالية إدارية أو مالية، وإنما يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على مستويات الفقر، وفرص العمل، والدخل، والخدمات الأساسية، وبرامج الحماية الاجتماعية.
الموازنة الاتحادية كأداة لمكافحة الفقر
تعد الموازنة العامة إحدى أهم الأدوات التي تستطيع الدولة من خلالها إعادة توزيع الموارد وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية. فمن خلال الإنفاق العام يمكن تمويل برامج الرعاية الاجتماعية، ودعم الفئات محدودة الدخل، وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية، وتحسين البنية التحتية، فضلاً عن خلق بيئة اقتصادية تساعد على توفير فرص العمل.
وعندما تتأخر الموازنة الاتحادية، قد تتأثر قدرة المؤسسات الحكومية على تنفيذ البرامج والمشروعات الجديدة، كما قد تتباطأ عمليات الإنفاق الاستثماري، وهو ما ينعكس في النهاية على النشاط الاقتصادي ومستويات الدخل وفرص العمل. وتزداد أهمية هذه المسألة في العراق، حيث يمثل القطاع العام والإنفاق الحكومي جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي.
تأخر الموازنة وأثره في مستويات الفقر
إن العلاقة بين تأخر الموازنة والفقر ليست علاقة مباشرة في جميع الحالات، لكنها قد تظهر من خلال مجموعة من القنوات الاقتصادية والاجتماعية. فأي تأخير في تمويل المشروعات أو البرامج الحكومية يمكن أن يؤدي إلى تأجيل فرص العمل أو إبطاء تنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمات، الأمر الذي قد يحد من النشاط الاقتصادي في بعض المناطق.
كما أن محدودية الإنفاق الاستثماري أو تأخره يمكن أن تؤثر في قدرة الاقتصاد على خلق وظائف جديدة، ولا سيما للشباب والخريجين. ومع ارتفاع أهمية العمل والدخل في تحسين المستوى المعيشي للأسر، فإن ضعف فرص العمل يمكن أن يزيد من مخاطر الوقوع في الفقر أو استمرار الأسر منخفضة الدخل في دائرة الفقر.
ومن جانب آخر، فإن تأخر التمويل قد يؤثر في بعض البرامج الحكومية الموجهة إلى الفئات الهشة، الأمر الذي يجعل كفاءة إدارة الموارد المالية وتوقيت تخصيصها من العناصر المهمة في تعزيز الحماية الاجتماعية.
الإنفاق العام وجودة الخدمات الأساسية
لا يقتصر مفهوم الفقر على انخفاض الدخل، وإنما يرتبط أيضاً بقدرة الأفراد على الوصول إلى الخدمات الأساسية، مثل التعليم والصحة والسكن والمياه والصرف الصحي والنقل. ومن هنا فإن تأخر الموازنة قد ينعكس على تنفيذ المشاريع الخدمية أو تطوير المؤسسات العامة، خصوصاً عندما تكون المشاريع الجديدة مرتبطة بتخصيصات مالية تحتاج إلى إقرار الموازنة.
إن تحسين الخدمات الأساسية يمثل استثماراً طويل الأجل في رأس المال البشري، ويسهم في الحد من الفقر متعدد الأبعاد. فالتعليم الجيد يزيد من فرص الحصول على عمل مناسب، والرعاية الصحية الجيدة تقلل الأعباء الاقتصادية على الأسر، وتحسين البنية التحتية يرفع فرص النشاط الاقتصادي ويعزز قدرة المناطق الأقل نمواً على جذب الاستثمارات.
البعد الاقتصادي للحد من الفقر
يتطلب تحقيق الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة الانتقال من معالجة الفقر بعد وقوعه إلى معالجة أسبابه الاقتصادية. وفي هذا السياق، ينبغي أن تسهم الموازنة الاتحادية في دعم النمو الاقتصادي المستدام وتنويع مصادر الدخل، بدلاً من استمرار الاعتماد المرتفع على الإيرادات النفطية.
فالعراق يمتلك إمكانات كبيرة في قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات والطاقة المتجددة، ويمكن لتوجيه جزء مناسب من الإنفاق العام نحو هذه القطاعات أن يسهم في خلق فرص عمل وتحسين دخول الأسر وتعزيز النشاط الاقتصادي خارج القطاع النفطي.
كما أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمثل أحد المسارات المهمة للحد من الفقر، لما لهذه المشروعات من قدرة على توفير فرص عمل وتحقيق دخل للأسر. ولذلك فإن الموازنة ينبغي ألا تركز فقط على الإنفاق التشغيلي، بل أن توفر مساحة مناسبة للإنفاق الاستثماري والتنمية الاقتصادية المحلية.
الموازنة المستقرة ودعم الحماية الاجتماعية
تحتاج برامج الحماية الاجتماعية إلى استقرار مالي واستمرارية في التمويل حتى تتمكن من الوصول إلى الفئات المستهدفة بصورة منتظمة وفعالة.
ولذلك فإن انتظام دورة إعداد وإقرار وتنفيذ الموازنة يمثل عاملاً مهماً في ضمان استمرارية هذه البرامج.
ومن الضروري في الوقت نفسه تطوير آليات استهداف المستفيدين، وتحسين قواعد البيانات، وتقليل الهدر والتداخل في برامج الدعم، بحيث تصل الموارد العامة إلى الفئات الأكثر احتياجاً. فزيادة الإنفاق الاجتماعي لا تعني بالضرورة انخفاض الفقر إذا لم تكن الموارد موجهة بصورة كفوءة.
نحو موازنة أكثر ارتباطاً بأهداف التنمية المستدامة
من المهم أن تتجاوز الموازنة الاتحادية في العراق مفهوم توزيع الاعتمادات بين الوزارات والمؤسسات إلى مفهوم الموازنة المرتبطة بالنتائج وأهداف التنمية المستدامة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ربط التخصيصات المالية بمؤشرات واضحة لقياس أثر الإنفاق في الحد من الفقر وتحسين مستوى المعيشة.
كما يمكن اعتماد مؤشرات أداء تقيس، على سبيل المثال، عدد فرص العمل التي تم توفيرها، ونسبة الأسر المستفيدة من برامج الحماية الاجتماعية، ونسب الوصول إلى الخدمات الأساسية، ومستويات الفقر في المحافظات والمناطق المختلفة.
وهذا النهج من شأنه أن يجعل الموازنة أداة فاعلة لتحقيق التنمية، وليس مجرد وثيقة سنوية لتقدير الإيرادات والنفقات.
إن تأخر الموازنة الاتحادية في العراق ينبغي النظر إليه باعتباره قضية تتجاوز الجانب الإجرائي إلى آثار اقتصادية واجتماعية وتنموية أوسع. فانتظام دورة الموازنة وسرعة إقرارها وتنفيذها بكفاءة يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، ودعم الاستثمار، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية، وهي جميعاً عناصر أساسية في مكافحة الفقر.
ومن أجل تحقيق الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة، يحتاج العراق إلى موازنة أكثر كفاءة ومرونة وارتباطاً بالأولويات التنموية، مع التركيز على توجيه الموارد نحو الفئات والمناطق الأكثر احتياجاً، وتنويع الاقتصاد، ودعم القطاع الخاص والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز كفاءة الإنفاق العام.
وبذلك يمكن أن تتحول الموازنة الاتحادية من أداة لإدارة الموارد المالية إلى أداة استراتيجية للحد من الفقر وتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية.