تعتبر ممارسة الرياضة ركيزة أساسية للحفاظ على الصحة العامة، وتعزيز كفاءة الجهاز الدوري، والوقاية من الأمراض المزمنة. ومع ذلك، عندما تتحول ممارسة الرياضة من النمط المعتدل إلى النمط العنيف والشديد – مثل ماراثونات الجري، ورياضات التحمل الفائق، ورفع الأثقال بكثافة عالية – فإن الجسم يتعرض لإجهاد فسيولوجي كبير يمتد تأثيره مباشرة إلى وظائف الكلى. فهم هذا التأثير يعد خطوة ضرورية للرياضيين لتجنب المضاعفات الصحية الخطيرة.
أثناء ممارسة التمارين الرياضية الشاقة، يحتاج الجسم إلى توجيه تدفق الدم والأكسجين نحو العضلات الهيكلية النشطة والقلب لتلبية الطلب العالي على الطاقة. ونتيجة لذلك، يقل تدفق الدم الموجه إلى الأعضاء الداخلية، بما في ذلك الكليتان، بنسبة قد تصل إلى 70% إلى 80% في حالات الجهد الأقصى. هذا الانخفاض المؤقت في التروية الدموية يؤدي إلى تراجع معدل الترشيح الكبيبي (وهي العملية التي تصفّي بها الكلى السموم من الدم). على الرغم من أن هذا التراجع يعد استجابة طبيعية ومؤقتة تستعيد الكلى بعدها وظيفتها بعد الراحة، إلا أن استمرار الجهد العنيف لفترات طويلة دون تحضير قد يعرض الكلى لخطر حقيقي.
يرتبط الجهد البدني الشديد أيضاً بخطر الجفاف وخسارة السوائل عبر التعرق الكثيف. عندما يقل حجم السوائل في الجسم، يزداد تركيز الدم، وتعمل الكلى بجهد مضاعف لتركيز البول بهدف الحفاظ على الماء. هذا الضغط الإضافي، مصحوباً بنقص التروية، يرفع من احتمالية الإصابة بالفشل الكلوي الحاد المؤقت.
علاوة على ذلك، هناك متلازمة طبية خطيرة ترتبط بالتمارين العنيفة تُعرف باسم "انحلال العضلات المخططة" (Rhabdomyolysis). تحدث هذه الحالة عندما تتضرر الألياف العضلية بشكل حاد نتيجة المجهود الفوق طاقي، مما يؤدي إلى تسرب بروتين "الميوجلوبين" الموجود في العضلات إلى مجرى الدم. عندما تحاول الكلى ترشيح هذا البروتين ذو الجزيئات الكبيرة، فإنه يتراكم داخل الأنابيب الكلوية الدقيقة ويسبب انسداداً وتسمماً مباشراً للأنسجة الكلوية، وهو ما يظهر غالباً على شكل بول داكن اللون (يشبه الشاي) وإجهاد عضلي شديد، ويتطلب تدخلاً طبياً فورياً.
لحماية الكلى من هذه المخاطر دون التخلي عن الرياضة، يجب اتباع استراتيجيات وقائية صارمة. أولاً، يعد شرب الماء والسوائل المعززة بالمعادن (الإلكتروليتات) قبل، وأثناء، وبعد التمرين أمراً حيوياً لمنع الجفاف والحفاظ على تدفق الدم للكلى. ثانياً، يجب تجنب تناول مسكنات الألم ومضادات الالتهاب غير الستيروئيدية (مثل الإيبوبروفين) قبل أو بعد التمارين الشاقة، لأنها تقلل بشكل أكبر من تدفق الدم إلى الكلى وتضاعف خطر تضررها. وأخيراً، يجب تدرج الرياضيين في رفع أحمال التدريب واعتماد فترات راحة كافية للسماح للأنسجة بالاستشفاء.
في الختام، الرياضة القوية سيف ذو حدين؛ فهي تبني القوة والتحمل، لكنها تضع الكلى تحت اختبار فسيولوجي قاصٍ. من خلال الوعي بآليات عمل الجسم، والالتزام بالترطيب الكافي، والاستماع لإشارات الإجهاد، يمكن للرياضيين الاستمتاع بفوائد الأداء العالي والحفاظ على سلامة كليتيهم في آن واحد
اعداد الدكتورة تقى حازم عبد الله
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق