في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات تضيء وجوه البشر أكثر من الشمس، بدأ العالم يفقد ألوانه شيئاً فشيئاً، لا لأن الطبيعة تغيّرت، بل لأن الإنسان تغيّر. فقد كانت الألوان في الماضي مرتبطة بالمشاعر والذاكرة والتفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها؛ لون السماء عند الغروب، لون الكتب القديمة، لون الأحياء الشعبية المليئة بالحياة، وحتى ألوان العلاقات الإنسانية التي كانت أكثر دفئاً وصدقاً.
لكن العالم الحديث، رغم تطوره الهائل، خلق إيقاعاً سريعاً جعل الإنسان يعيش داخل دائرة من التكرار والضغوط اليومية، حتى أصبحت الحياة تُرى أحياناً بدرجات من الرمادي. فالتكنولوجيا التي جاءت لتسهّل الحياة، دفعت الكثيرين إلى العيش في عزلة شعورية، حيث تراجعت العلاقات الإنسانية المباشرة، واختفت لحظات التأمل والهدوء التي كانت تمنح الروح شيئاً من التوازن.
لقد فقد العالم ألوانه عندما أصبح النجاح يُقاس بالأرقام فقط، وعندما تحوّل الإنسان من كائن يشعر بالجمال إلى كائن يركض خلف الوقت. فالألوان ليست مجرد ظاهرة بصرية، بل هي انعكاس للحالة النفسية والثقافية والاجتماعية للمجتمعات. وعندما تزداد الحروب، والتلوث، والضغوط الاقتصادية، والخوف من المستقبل، فإن العالم يبدو أقل إشراقاً مهما ازدادت فيه الإضاءة الصناعية.
وفي الجانب الفني والثقافي، لعب الفن دوراً مهماً في محاولة استعادة تلك الألوان المفقودة. فالفنان، والكاتب، والموسيقي، والمصمم، جميعهم يحاولون إعادة التوازن الروحي للإنسان عبر الجمال والإبداع. لذلك نجد أن الفنون ليست ترفاً، بل حاجة إنسانية تساعد المجتمعات على مقاومة القسوة والفراغ النفسي.
وربما لم يفقد العالم ألوانه بالكامل، بل فقد الإنسان قدرته على رؤيتها. فما زالت هناك ألوان تختبئ في ضحكة طفل، وفي شجرة تقاوم الجفاف، وفي كتاب يفتح نافذة للأمل، وفي فكرة جديدة يبتكرها شاب يؤمن بالمستقبل. إن استعادة ألوان العالم تبدأ من استعادة الإنسان لوعيه، ولعلاقته بالطبيعة، ولقدرته على الشعور بالجمال في أبسط تفاصيل الحياة.
إن الجامعات والمؤسسات الثقافية اليوم تتحمل مسؤولية كبيرة في إعادة بناء هذا الوعي، من خلال دعم الفنون والعلوم الإنسانية والأنشطة الإبداعية التي تعيد للإنسان توازنه النفسي والفكري. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من التكنولوجيا فقط، بل يحتاج أيضاً إلى مزيد من الإنسانية.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .